روايات وقص

ساد الصمت

شريف وشه اتخطف: “قصيدك إيه؟ أنتِ عايزة إيه تاني؟ ما أخدتي كل حاجة! عايزة الشقة؟ خدي الشقة! عايزة الشركة؟ خدي أسهمها! بس بلاش الحركة دي.. إحنا بينا طفل!”

“بينا طفل؟” ندى كبستها في وشه. “دلوقت بقى بينا طفل؟ لما كنت بتسيبني أصرخ في غرفة العمليات وبتبعتلي صورك في الشاليهات، ما كانش بينا طفل؟ لما كنت بتهددني إنك تطلعني مجنونة وتاخد الواد مني عشان تكسرني، ما كانش بينا طفل؟”

وقف الأستاذ كمال وسأل ماجدة: “أستاذة ماجدة، إيه المطالب المباشرة لموكلتك عشان ننهي الموضوع ده ودياً بدون قضايا وشوشرة؟”

ماجدة بصت لندى، وندى طلعت الورقة الأخيرة من الدوسيه. ورقة واحدة بس، مكتوبة بخط الإيد.

“شروط ندى بسيطة جداً يا أستاذ كمال:”

* الطلاق الإشهادي الفوري هنا في المكتب خلال ساعة، بدون مؤخر وبدون شروط، وتنازل كامل من شريف عن أي حق في حضانة مالك أو حتى رؤيته إلا بشروط ندى وتحت إشرافها.

* تنازل كامل ورسمي عن كافة أسهم الشركة، والفيلا، والحسابات البنكية اللي اتنقلت باسمه من ممتلكات والدها، وترجع كلها باسم ندى وابنها مالك.

* شريف يخرج من الشركة كارد، مالوش أي صفة إدارية أو مالية، وما يدخلش مقر الشركة تاني بدءاً من بكرة الصبح.

شريف قام وقف بصدمة وحقد: “أنتِ اتجننتي؟! أنتِ عايزة تجرديني من كل حاجة؟ أخرج من المولد بلا حمص؟ وأعيش على إيه؟ أشتغل عند مين؟”

ندى بصتله في عينيه بثبات: “أنت مش هتقعد في الشارع يا شريف.. أنا هسيبلك العربية القديمة، وشقة صغيرة إيجار تلمك.. وممكن تطلب مساعدة من نورا، مش هي شريكتك وست عاقلة ومبتجيش عليها الهرمونات؟”

نورا بصت لشريف بقرف، مسكت شنطتها وفروة كتافها، وقامت وقفت: “شريكتك مين يا حبيبتي؟ أنا ماليش دعوة باللخبطة دي كلها.. شريف، أنا استقالتي هتكون على مكتبك بكرة الصبح.. أو قصدي، على مكتب مدام ندى!”

“نورا! استني هنا!” شريف صرخ فيها وهو بيحاول يمسك إيدها، بس هي زقت إيده بحدة: “أنت ضيعت نفسك وضيعتني معاك! كنت فاكراك راجل غني ومأمن نفسك، طلعت نصاب ومزوّر وهتدخل السجن!”

طلعت نورا ورزعت الباب وراها بكل قوتها، الصوت رن في المكتب كله.

شريف بقى واقف لوحده في وسط القاعة. الست اللي ساب مراته عشانها، ومشى ورا كلامها، سابته في أول محطة لما الدنيا هزت بيه.

رجعت ندى بصت للمحامي كمال: “المأذون بره على الباب يا أستاذ كمال.. الأستاذة ماجدة كانت مجهزة كل حاجة. شريف قدامه حلين لا ثالث لهما:

إما يوقع على ورقة الطلاق وعلى التنازلات كاملة حالا، ويمشي من هنا براحته..

أو يتفضل يخرج من الباب ده، يلقى عربية البوليس مستنياه تحت ومعاها أمر ضبط وإحضار بتهمة التزوير والاستيلاء، وتقرير الطب الشرعي هينزل على مكتب النائب العام خلال عشر دقايق.”

شريف بص للترابيزة، للورق، للصور، للتليفون اللي بيسجل، وأخيراً بص لندى.

كان شايف ست تانية خالص.. مش هي ندى بتاعة زمان، الست الطيبة الهادية اللي كانت بتصدق كل كذبة بيقولها، الست اللي كانت بتعيط لما يرفع صوته عليها.. قدامه ست اتولدت من جديد في أوضة الولادة، ست بقت أشرس وأقوى ألف مرة عشان حتة العيل اللي في حضنها.

إيد شريف كانت بترتعش وهو بيمسك القلم.

“أنتِ قاسية قوي يا ندى..” قالها بصوت مكسور وهو بيمضي.

ردت عليه وهي بتبص لمالك اللي بدأ يفتح عينيه الصغيرين ويتمطع في حضنها: “أنا مش قاسية يا شريف.. أنا بس بقيت أم.”

وقع شريف على الورقة الأولى.. وبعدها الثانية.. والثالثة.

كل إمضاء كان بياخد منه حتة، كل إمضاء كان بيمحي كل اللي بناه بالنصب والتزوير في سنين. لما خلص، رمى القلم على الترابيزة، وسند راسه بين إيديه، كأنه كبر عشر سنين في عشر دقايق.

دخل المأذون، وفي دقائق معدودة، انطوت صفحة من أغبي وأبشع صفحات حياة ندى.

“بارَكَ اللهُ لكِ وبارَكَ عليكِ يا بنتي.. والحمد لله إن الحق رجع لأصحابه.” المأذون قالها وهو بيلف الأوراق.

قامت ندى وقفت بالراحة، مسكت الدوسيه الأزرق، حطته تحت ذراعها، وعدلت كوفية مالك على صدرها. بصت لشريف اللي كان لسه قاعد وراسه في الأرض مش قادر يرفع عينيه فيها.

“كل حاجة انتهت يا شريف.. الشقة اللي كنت قاعد فيها قدامك ساعتين تلم فيها هدومك الشخصية وبس، وبكرة الصبح الأمن في الشركة مش هيدخلوك.”

مشت ندى ناحية الباب بخطوات هادية، ثابتة، ورغم جرح القيصرية اللي كان لسه بيوجعها، إلا إن جسمها كان مفرود، وراسها مرفوعة فوق في السماء.

أول ما فتحت باب المكتب وطلعت لشارع Colonia Roma الهادي، الشمس كانت بدأت تطلع وتملى الشارع ندف دفا، نسيم الفجر العليل خبط في وشها، وشعرت لأول مرة من سنة كاملة إنها بتتنفس هواء نظيف.. مفيش فيه كذب، ولا خيانة، ولا خوف.

ركبت العربية مع الأستاذة ماجدة، وحطت مالك في الكار سيت جنبه.

ماجدة بصتلها في المراية وابتسمت: “مبروك يا ندى.. كده حقك وحق ابنك رجع لحد عندك، والقضية اتفلت تماماً.”

ندى ابتسمت ابتسامة هادية، وبصت لمالك اللي كان بيصغى لصوتها ويحرك إيديه الصغيرين: “الله يبارك فيكي يا أستاذة.. بس في حاجة واحدة شريف ما يعرفهاش.. ولا أنتِ كمان تعرفيها.”

ماجدة حودت بعينيها واستغربت: “حاجة إيه؟ هو في أوراق تاني؟”

طلعت ندى تليفونها الثاني من شنطتها، وفتحت شاشة التليفون.. كان في إيميل مفتوح، جايلها رسالة من بنك دولي كبير في سويسرا، مكتوب فيها باللغة الإنجليزية: “تم تأكيد تحويل الرصيد بالكامل بناءً على طلبكم.”

ندى بصت للشاشة وابتسمت ابتسامة غموض، وبصت للشباك وهي بتفكر في المفاجأة الأخيرة اللي كانت محضراها، مفاجأة مش بس هتدمر شريف.. دي هتقلب حياة عيلته كلها رأساً على عقب في الأيام اللي جاية.

ماجدة سألتها بفضول: “ندى.. إيه الإيميل ده؟”

ردت ندى وهي بتقفل التليفون وبتسند راسها على الشباك: “ده الحساب السرّي اللي شريف كان فاكر إنه مأمن بيه نفسه لليوم الاسود.. وميعرفش إن أبويا الله يرحمه كان كاتب الحساب ده باسمي أنا من يوم ما اتولدت.. شريف فاكر إن الخسارة وقفت لحد هنا.. لكن اللعبة الحقيقية.. يادوب لسه هتبدأ بكرة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى