
أبويا وقف متنح في الصالة، الورقة الرسمية اللي عليها شعار المحكمة ومختومة بختم النسر كانت بتترعش في إيده زي ورقة شجر في مهب الريح. أمي ميرفت سابت صينية الشاي اللي كانت شايلاها، ووقعت من إيدها الكوبايات اتدشدشت مية حتة على البلاط، والشاي السخن اتدلق على رجليها، بس هي حتى ما حسيتش بالوجع، عينيها كانت مبرقة وهي بتبص لملامح أبويا اللي اتخطفت في ثانية.
فريدة أختي سابت الموبايل من إيدها لأول مرة من سنين، ووقفت مذهولة وهي شايفة المنظر، الضحكة اللي كانت دايماً على وشها اختفت، وحل مكانها رعب حقيقي لما شافت ورقة تانية في إيد المحضر اللي كان واقف على الباب ومستني يمضيهم على الاستلام.
أبويا صوته طلع مخنوق، كأنه طالع من بير غريق، وبصلي وأنا واقفة على أول السلم بكل برود، رابطة شعري لورا، ولابسة هدوم خروجي، وواقفة بتفرج عليهم والابتسامة اللي حُرمت منها يوم ما طيرلي سنتي، كانت منورة وشي النهاردة.
— إيه ده يا هنا؟ إيه القرف اللي مكتوب في الورق ده؟ أنتِ رافعة علينا قضايا؟ أنتِ بتطردينا من بيتنا؟
أنا ما ردتش عليه، نزلت السلم خطوة خطوة، بكل ثقة وهدوء، صوت كعبي على الأرض كان زي دقات ساعة بتعلن نهاية زمن الاستعباد اللي عشته معاهم. وقفت قدام أبويا، مديت إيدي بكل برود وخدت منه ورقة الإعلان القضائي، بصيت فيها وراجعت البيانات، وبعدين بصيت للمحضر وقلتله: “تمام يا فندم، أهم استلموا، اتفضل حضرتك شرفتنا.”
المحضر مشي وقفل الباب وراه، والسكوت اللي حل في الصالة كان مرعب، سكوت ما قبل العاصفة. أبويا هجم عليا، رفع إيده عشان يديني قلم تاني، نفس الإيد اللي علمت على وشي من تلات أسابيع، بس المرة دي ما لحقش، أنا ما رجعتش لورا ولا اتنفضت، أنا بس طلعت موبايلي وضغطت على زرار واحد، وصوت أبويا وهو بيزعق ويقول: “لو ما حولتيش مرتبك كله لأختك النهاردة مالكيش عيش في البيت ده” يتبعه صوت القلم الخناق وصوت سنتي وهي بتتكسر، طلع من سماعة الموبايل بوضوح يرعب.
أبويا إيده اتسمرت في الهواء، وبص للموبايل وكأنه شايف قنبلة موقوتة.
— القلم ده يا رأفت بيه، سعره غالي أوي، وأنا قلتلكم إنكم هتدفعوا الثمن. الفايل اللي أنا فتحته ليلة ما ضربتني ما كانش بس عشان أرفع قضية طرد، لأ، ده كان حساب السنين كلها اللي فاتت.
أمي ميرفت بدأت تصوت وتلطم على خدودها وهي شايفة الورق المرمي على الأرض: “يا مصيبتي! يا فضيحتنا وسط الناس! بنت بطني ترفع علينا قضايا وتطردنا في الشارع؟ ده إحنا اللي ربكيناكِ وكبرناكِ يا جاحظة يا قاسية!”
ضحكت بصوت عالي، ضحكة طالعة من وسط الوجع والقهر اللي عشته: “ربيتوني؟ أنتوا كنتوا بتسموني الطفيلية والشحاتة وأنا اللي باكلكم وبشربكم! نسيتي يا ميرفت هانم لما رميتيلي الفوطة الزفرة بتاعة البوتاجاز عشان أمسح دم بوقي؟ نسيتي لما قلتيلي المناديل للضيوف والمناسبات؟ أهو المحكمة والنيابة والقضايا هي أحدث مناسبة عندي، وما لقتش أغلى منكم عشان أعزمكم عليها.”
فريدة قربت مني، وشها كان أصفر زي الليمونة، ودموعها بدأت تنزل، بس المرة دي دموع حقيقية مش تمثيل عشان فيديو على إنستجرام: “هنا.. أنتِ أكيد بتهزري صح؟ شقتي اللي في الزمالك جالي إخطار بحجز عليها وعلى العفش عشان الشيكات اللي بدون رصيد.. أنتِ ما دفعتيش الإيجار؟ والشركة اللي بتعامل معاها لغت عقدي وبتقول إني متهمة بالنصب؟”
بصيت لفريدة من فوق لتحت، النظرة اللي كانت دايماً بتبصهالي وأنا راجعة من الشغل عرقانة وتعبانة: “شقتك اللي في الزمالك يا فوفو كانت مأجورة باسمي أنا، والشيكات اللي صاحب العقار بيطالب بيها دي شيكاتي أنا اللي سحبتها من البنك، وطبعاً لما قفلت الحساب ومضيت على طلب إيقاف الصرف، الشيكات رجعت. وبما إنك أنتِ اللي قاعدة في الشقة وموقعة كضامن متضامن في العقد الداخلي، فالقضية لبستكِ أنتِ كمان. أما الشركة بتاعة الفاشون، فأنا بس بعت لهم الإيميلات الرسمية والتحويلات اللي كنت بعملها لك من حسابي، وأثبت لهم إن كل ‘البروجكتس’ اللي أنتِ مقدماها باسمك هي شغل مسروق من مصممين غلابة وكنتِ بتشتريه بفلوسي وتنسبيه لنفسك، وطبعاً الشركات الكبيرة ما بتحبش تتعامل مع حرامية.”
أبويا قعد على الكنبة، حط راسه بين إيديه، كأنه كبر عشرين سنة في ثانية واحدة. الراجل اللي كان دايماً صوته بيهز البيت، كان قاعد دلوقتي مكسور ومش قادر يرفع عينه في عيني.
— البيت ده بتاعي يا هنا.. أنا اللي بانيه بفلوسي وشقايا.. ما تقدريش تأخديه منا.
قربت منه، وطيت لمستواه، وهمست في ودنه بالنبرة اللي هو كان بيستعملها معايا عشان يذلني: “البيت ده يا رأفت بيه، أنت مضيتلي عليه بيع وشراء نهائي من خمس سنين، لما جيت تتحايل عليا وتتمسكن عشان أدفع لك ديون التاجر اللي كان هيحبسك بسبب وصلات الأمانة. فاكر؟ يومها قلتلي ‘اكتبي البيت باسمك يا بنتي عشان لو جرى لي حاجة تضمنوا حقكم’، وأنا بكل غباء وطيبة قلب كتبت عقد إيجار ليكم بحق الانتفاع طول ما أنا راضية. بس بعد القلم بتاع يوم الجمعة، رضايا اتمحى، والعقد اتلغى، وبقيتوا بنص القانون ‘شاغلين للعقار بدون وجه حق’، يعني بالبلدي كده.. مغتصبين للعين.”
أمي ميرفت قعدت على الأرض تعيط وتصرخ: “يا ميرفت، يا خسارة تربيتك، يا ريتني ما خلفتك، أنتِ شنيعة، أنتِ إبليس في هيئة بشر!”
— أنا إبليس؟ عشان طالبت بحقي؟ عشان رفضت أكون البقرة الحلوبة اللي بتطحن عشان فريدة تتفسح في الساحل وتعمل ضوافرها؟ أنا الشغالة اللي كانت بتدفع فواتير الكهرباء والمياه والغاز، وتجيب الأكل، وفي الآخر تضرب وتهان وتسمى طفيلية! أنا سكت سنين، بس الساكت لما بيبطل يسكت، ما بيسيبش وراه أخضر ولا يابس.




