
المشهد جوه صالة الفيلا كان أشبه بفيلم سينمائي اتصنع بحرفية. الإضاءة الكاشفة من كشافات رجال الأمن كانت قاطعة الضلمة زي السكاكين، وموجهة بالظبط على وشوشهم. أمي سعاد، اللي قضت حياتها تفتكر إن العالم كله بيطوف حوالين رغباتها، كانت واقفة مفزوعة، أيديها المترعشة ماسكة في دراع جوزها فتحي اللي وشّه اتقلب أصفر زي الليمونة. إخواتي، أحمد وكريم، اللي طول عمرهم بيشوفوا إهانتهم ليا مجرد ضحك وهزار، كانوا واقفين زي التماثيل، ركبهم بتخبط في بعضها من الهيبة والرهبة اللي ملكت المكان.
“نهى! يا نهى! إيه اللي بيحصل ده؟ إنتي اتجننتي يا بت؟ تعالي قولي للناس دول إحنا مين!”… صوت أمي كان طالع مخنوق، مشحون بالخوف والذهول. كانت بتصرخ باسمي وهي بتلتفت في كل الاتجاهات، تدور عليا في الضلمة اللي ورا الكشافات، تدور على البنت اللي كانت بتسيبها زمان على الرصيف تبكي بالساعات وتنسى تروح تجيبها.
أنا مخرجتش فوراً. وقفت لحظات في أوضة المراقبة، بتنفس بهدوء شديد. ضربات قلبي كانت منتظمة بشكل أرعبني أنا شخصياً. مكنش فيا نقطة غضب واحدة، كان فيا جبل من الثلج. داست أيدي على زرار الإضاءة العامة، فأنارت الفيلا كلها دفعة واحدة. الثريات الكريستال أضاءت، والرخام الأبيض لمع تحت رجليهم، وأنا نزلت من السلم الرخامي العريض بالراحة، خطوة بخطوة، وصوت كعبي العالي كان بيرن في الصالة الفاضية زي دقات ساعة القيامة بالنسبة لهم.
كنت لابسة بدلة سوداء أنيقة، شعري مرفوع، وفي أيدي كاس ماية مثلج. بصيت لرجال الشرطة اللي كانوا مالين المكان، وابتسمت للضابط المسؤول: “يا فندم.. مرحباً بيك في بيتي. متأسفة على الإزعاج في يوم فاضل زي ده، بس أظن الحرامية اتأخروا في التخطيط شوية.”
“حرامية مين يا فندم؟!”.. اتدخلت المحامية وهي بتترعش والملف البيج بيقع من أيدها على الأرض: “إحنا معانا عقد إيجار موثق! الست سعاد هي المالك والمدير الإداري للعقار، وحضرتك شاغلة العين بدون وجه حق!”
الضابط، المقدم هشام، بصلها بنظرة باردة، وبعدين بصلي. أنا أخدت بق ماية، وركنت الكاس على الميز المذهب اللي جنبي، وطلعت من جيبي هاتف صغير، ضغطت على شاشته. فجأة، الشاشة المطبوعة على الحيطة في الصالة اشتغلت. ظهر عليها فيديو عالي الدقة: المحامية وهي قاعدة في مكتب مع جوز أمي فتحي، وبيدفعوا مبلغ مالي لراجل بيمضي على عقد فاضي، وصوت فتحي طالع واضح جداً وهو بيقول: “العقد ده ينزل فيه عنوان فيلا التجمع، وتاريخ قديم.. نهى مش هتعرف تعمل حاجة، البنت مالهاش حد وهي طالعة من تحت إيدنا ومش هتروح للبوليس عشان ما تفضحش نفسها.”
الصمت نزل على الصالة زي الجبل. أمي بصت لفتحي بذهول، وفتحي بص للحيطة وهو حاسس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه.
“فيديو مصوت ومسجل بالصوت والصورة، غير الاختراق الرقمي لشبكة الشركة اللي أصدرت ختام العقد المزيف”، أنا قلت الكلام ده وأنا ببتسم للمحامية اللي ألوان وشها اتقلبت: “يا أساتذة.. أنا شغلي وشهرتي في السوق قايمة على الأمن الرقمي والرقابة الكترونية. إنكم تحاولوا تزوروا عقد ضدي.. ده زي اللي بيلعب بالموس قدام جراح مخ وأعصاب.”




