روايات وقص

فجاه وبدون مقدمات

فجأة، وبدون أي مقدمات، اتفتحت البوابات الحديدية الكبيرة لقاعة الأفراح، وتدفقت لجوة القاعة إضاءات فلاشات عالية جداً تعمي العين، مع دخول هجوم من الصحفيين والمصورين وكاميرات القنوات الفضائية وصفحات “التيك توك” المشهورة!

الصدمة كانت سيد الموقف؛ الصوت المتردد في السماعات بتسجيل “سوسن هانم” وهو بيقطع السكوت: “علميها الأدب يا حازم، وأحسن إنها طلعت معلمة في وشها…” كان لسه بيتكرر، والصوت خارج من كل السماعات العالية بجودة نقية تخرّق الأذان.

الصحفيين بدأوا يضربوا الفلاشات في وش “سوسن هانم” و”حازم” اللي اتسمروا في أماكنهم كأنهم اتضربوا بالكهربا. كاميرات البث المباشر كانت بتنقل كل تفصيلة: العروسة شاهندا وهي وافقة بكل كبرياء، قلعت الطرحة ورمتها في وش العريس، والعلامة الزرقاء الصريحة المحفورة تحت عينها الشمال بتلمع تحت الإضاءة، وأمها “سوسن هانم” اللي كانت بتدعي الرقي والأناقة وشهـا بقى شبه العفريت من كثر الرعب والألوان اللي راحت وجات على وشها.

حازم اتجنن، جري على نورين عشان يشد المايك والفلاشة من إيدها وهو بيزعق بصوت هيستيري: “وقفوا الزفت ده! اقفلوا الصوت! يا أمن.. انتوا فين يا حيوانات؟ أخرجوا الزبالة دول برة!”

بس نورين كانت أذكى منه؛ رجعت لورا بسرعة ووراها ضهر حماية من صحفيين كبار وراء الكاميرات، ونورين صرخت في المايك بصوت أعلى: “التسجيل ده مش بس هنا يا حازم بيه! التسجيل ده لايف حالياً على صفحة أكبر برنامج تحقيقات في مصر! وملايين المتابعين بيشوفوا دلوقتي وشك الحقيقي ووش سوسن هانم اللي بتبيع بنتها عشان الفلوس والصفقات!”

الهرج والمرج ملا القاعة. المعازيم، الأكابر والباشوات اللي سوسن هانم كانت خايفة من نظرتهم، بدأوا يتهامسوا ويبصوا لبعض بقرف. ناس كتير مسكوا موبايلتهم وبيصوروا “اللايف”، رجال الأعمال اللي كانوا جايين يعملوا صفقات مع حازم وسوسن بدأوا ينسحبوا بالبطيء لورا وهم بيهزوا ريوسهم برفض ورعب من أن أسمائهم تتورط في الفضيحة دي.

سوسن هانم حاولت تسترد ثباتها المزيف، مشيت بخطوات سريعة ونظرة غضب عارمة ناحية شاهندا، ورفعت إيدها عشان تضربها كف تاني قدام الكاميرات وتلجمها زي ما اتعودت تعمل طول عمرها.

بس المرة دي.. شاهندا ما غمضتش عينها.

شاهندا مسكت إيد أمها في الهواء قبل ما تلمس وشها! مسكتها بقوة وغِل وثبات سوسن هانم نفسها ما تتخيلوش. شاهندا كانت بتترعش، بس مش من الخوف.. من الحرية!

شاهندا زقت إيد أمها لورا بصوت جاف وواطي بس مسموع لكل اللي حوليهم: “زمان كان ممكن يا سوسن هانم.. زمان لما كنت فاكرة إنك أمي وإن الضرب ده تربية. بس النهاردة، الكف ده لو اتمد، هيرد ليكي قدام كل الكاميرات دي.”

سوسن هانم كانت بتنهج، وشفافها بتترعش: “يا فاجرة؟ يا قتالة القتلاء؟ بتفضحي أمك اللي ربتك عشان شحتاتة زي صاحبتك دي؟ أنتي نسيتي أنتي بنت مين؟”

شاهندا ضحكت ضحكة مكسورة فيها وجع سنين: “أنا بنت الراجل اللي أنتي قتلتيه بالبطيء يا سوسن هانم! وبنت الست اللي ما عرفتش تكون أم ولا لحظة واحدة!”

الكلمة نزل كالصاعقة على القاعة: “قتلتيه بالبطيء!”

حازم اتوتر زيادة، وحاول يتدخل ويقرب من شاهندا ويمسكها من دراعها بغشم: “أنتي اتجننتي يا شاهندا؟ تهمة إيه وكلام فارغ إيه؟ انطقي امشي معايا برة بدال ما أدفنك هنا!”

شاهندا بصت لحازم بنظرة احتقار قاطعة، وزقت إيده بعيد عنها: “إياك تلمسني! إنت فاكر إنك بتتجوزني عشان جمالي؟ ولا عشان عيلتي؟ إنت عارف كويس أوي يا حازم إنك بتتجوزني عشان الورقة اللي في جيبك، الورقة اللي كنت عايزني أوقع عليها بالتنازل عن شركة بابا وممتلكاته، مقابل إنك تغطي على الشيكات المتبصمة اللي عليك لسوسن هانم!”

الصحفيين بدأوا يصرخوا بأسئلة:

— “شاهندا هانم! هل فعلاً يتعرضتي للضرب والإجبار على التنازل عن ميراثك؟”

— “سوسن هانم، إيه ردك على التسجيل الصوتي؟ هل الصوت ده صوتك فعلاً؟”

— “حازم بيه، هل في صفقات غير مشروعة بينك وبين العيلة مقابل الجوازة دي؟”

الفوضى كانت في أوجها. الأمن بتوع القاعة حاولوا يزقوا الصحفيين لبرة، بس الموضوع كان كبر خلاص وخارج عن السيطرة.

سوسن هانم مسكت ذراع حازم بحدة ووشوشته وهي بتترعش: “البت دي لازم تخرس حالاً.. السمعة والشركة وهيضيعوا! اطلب الشرطة، قول إنها حالة نهيستريا وإن صاحبتها تهجمت على الفرح!”

حازم طلع موبايله برعب عشان يتصل، بس فجأة.. صوت سرينات شرطة قوية جداً بدأ يرن برة دار المناسبات!

الأضواء الحمراء والزرقاء بتاعة عربيات الشرطة بدأت تضرب في قزاز القاعة الخارجي. الناس جوة اتخضت، والمعازيم بدأوا يتفرقوا ويجروا ناحية الأبواب الجانبية، خايفين يتقبض عليهم أو ينزل اسمهم في محاضر.

شاهندا ما اندهشتش لما شافت الشرطة.. بل بالعكس، بصت لنورين وهزت رأسها بابتسامة نصر خفيفة.

دخل القاعة عميد شرطة ومعه قوة من المباحث وشرطة النيابة العامة. العميد كان ماشي بخطوات ثابتة ووجه صارم، أول ما دخل بص على شاهندا وعلى العلامة اللي على وشها، وبعدين بص لسوسن هانم وحازم.

سوسن هانم جرت عليه وهي بتعمل دور الأم المنهارة الشريفة: “يا فندم الحقنا! في البت الصايعة دي اقتحمت الفرح وعملت بلبلة وبنتي جتلها حالة نفسية وشكلها مش طبيعي ومحتاجة مستشفى!”

العميد بصلها ببرود تام وطلع من جيبه أذن نيابة:

“سوسن عبد الجواد.. حازم الشناوي.. معانا أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة ليكم أنتم الاثنين.”

سوسن هانم وقفت مبهولة: “ضبط وإحضار؟ أنا؟ أنتم عارفين أنا مين؟ أنا سوسن هانم أرملة المرحوم كمال بيه!”

العميد رد بصوت حازم: “عارفين كويس أوي يا هانم. ومطلوب القبض عليكي بتهمة التزوير، والإجبار على التنازل تحت التهديد والضرب، والإيذاء البدني الجسيم، وبناءً على البلاغ المقدم من الأستاذة شاهندا كمال والدلائل المرفقة اللي قدمتها النيابة من ساعة واحدة فقط!”

حازم وشـه اصفر وزعق: “بلاغ إيه ودلائل إيه؟ دي مشاجرة عائلية! دي حاجة بين الأم وبنتها وعريسها!”

العميد بص لحازم بابتسامة ساخرة: “لا يا حازم بيه.. المشاجرة العائلية دي كان فيها تسجيلات وصور ومستندات خطيرة جداً، ده غير تقرير الطب الشرعي المبدئي اللي شاهندا هانم عملته الصبح بدري قبل ما تيجي القاعة، وأثبت إن الإصابة اللي في وشها نتيجة ضرب متعمد بآلة حادة أو خاتم ثقيل، بالإضافة لآثار ضرب قديمة على جسمها.”

شاهندا وقفت بثبات، وقربت من أمها وحازم اللي الكلابشات بدأت تلمس إيديهم قدام الكاميرات والمعازيم والصحفيين اللي بيلتقطوا أروع لحظات السقوط لأكبر عائلات المجتمع الراقي.

سوسن هانم وهي بيتحط الكلبش في إيدها الناعمة اللي كانت دايماً لابس فيها الألماظ، بصت لشاهندا بعيون مليانة كره وغل وصرخت: “يا خائنة! يا فاجرة! بقى تبيعي أمك اللي رفعت رأسك وخليتك هانم عشان شوية حقد؟ فاكرة إنك كده كسبتي؟ والله ما هسيبك، والله لأدمرك!”

شاهندا بصت لأمها بعيون صافية جداً لأول مرة من سنين، وقالت لها بنبرة هادية بس كانت أشد من كل الصرخات:

“أنتي ما رفعتيش رأسي يوم يا سوسن هانم.. أنتي كنتي بتدوسي على رأسي تحت الجزمة عشان تفضلي أنتي عادية فوق! أنتي ما كنتيش أم، أنتي كنتي السجان بتاعي.. والنهاردة السجن انكسر.”

الشرطة سحبت سوسن وحازم لبرة وسط فلاشات الصحافة وصدمة المعازيم اللي كانوا واقفين يتفرجوا على انهيار الأسطورة المزيفة لعائلة سوسن عبد الجواد.

لما القاعة فضيت كلياً، وما بقاش فاضل غير شاهندا ونورين، وشوية من الأكل والورد المرمي على الأرض، شاهندا وقفت في وسط الصالة الفاضية.. بصت للفستان الأبيض، وبعدين مسكت طرفه وشقته بقوة، وحلت حزام التل الثقيل، ورمت الهيلز العالي من إيدها وقعدت على الكوشة.

نورين قربت منها وقعدت جنبها، وحطت دراعها حولين كتف شاهندا: “خلصت يا شاهندا.. الكابوس انتهى.”

شاهندا نزلت دمعة واحدة بس من عينها، دمعة كانت محبوسة بقالها عشرين سنة.. مسحتها بسرعة وبصت لنورين وقالت: “لا يا نورين.. الكابوس ما انتهوش.. الكابوس ده يلا دوبك بيبدأ بالنسبة ليهم.”

نورين بصتلها باستغراب: “تقصدي إيه؟ مش هما اتقبض عليهم خلاص بالضرب والتزوير؟”

شاهندا ابتسمت ابتسامة غموض وطلعت من شنطتها الصغيرة مفتاح قديم جداً وورقة مطوية ومصنوعة من الجلد الأسود.. ورقة ما حدش في الدنيا يعرف بوجودها غير أبوه الله يرحمه قبل ما يموت بأسبوع.

شاهندا بصت لنورين وقالت بنبرة قطعت نفس نورين:

“الضرب والتزوير دول مجرد قشرة يا نورين.. القضية الحقيقية اللي أنا سيبتها للنيابة تكتشفها بكرة الصبح، هي السبب الحقيقي اللي خلي أمي تقتل بابا بالبطيء.. السر اللي سوسن هانم دفنته تحت الخزنة السرية في الفيلا القديمة، والسر ده مش هيحبس سوسن وحازم بس.. السر ده هيزلزل أسماء كبيرة جداً في البلد، أولهم الناس اللي كانوا قاعدين في الصف الأول في الفرح بيباركوا!”

نورين حبست أنفاسها وهي بتشوف شاهندا بتفتح الورقة القديمة وتوريها اسم مكتوب بالدم في آخر الصفحة.. اسم لشخصية نافذة جداً في الدولة، كان المفروض يكون الحامي الحقيقي للشركة!

شاهندا قامت وقفت على رجليها بثقة، وبصت للباب المفتوح القاعة وهي بتقول:

“اللي حصل النهاردة في الفرح كان مجرد الإشارة.. اللعبة الحقيقية، والآخذ بالثأر اللي بجد.. هيبدأ بكرة الصبح لما الخزنة تفتح!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى