روايات وقص

المشهد جوه صاله الفيلا

“استنى يا باشا!”… أمي صرخت وهي بترمى نفسها قدامي، دموعها نزلت كحلي وسال على وشها، منظرها كان يصعب على الكافر، بس قلبي مكنش فيه مكان للشفقة خلاص: “يا نهى! أنا أمك! أمك اللي شالت وحملت! تعاقبيني أنا؟ توديني السجن في ليلة العيد؟ عشان بيت؟ عشان شوية حيطان؟”

قربت منها، ووطيت لغايت ما بقى وشي في وشها. ريحة البرفان العتيق بتاعها فكرتني ببطاقة العيد اللي مشطوب فيها اسم بنت خالي ومكتوب اسمي فوقيه بالقلم الأزرق. فكرتني باليوم اللي سبتني فيه في شارع شبرا وأنا عندي تمان سنين والمطر نازل عليا لحد ما جاري أستاذ مصطفى جابني البيت.

“حيطان؟”، زقيت كلمة هادية من بين سناني: “العمارة دي، والفيلا دي، والفلوس دي كلها.. اتعملت من الدموع اللي مسحتها لوحدي وأنا عندي تمان سنين وأنتي نسيتيني في الشارع. اتعملت من الساعات اللي كنت باكل فيها عيش حاف في سكن الطالبات في الكلية، وأنتي بتعزمي إخواتي على بط وحمام في عزومات العيد وتسيبيلي باقي الأكل في الثلاجة كأني خدامة. أنتي مانسيتنيش يا سعاد.. أنتي استرخصتيني.”

“يا نهى يا حبيبتي.. إحنا أهلك!”… أحمد أخويا اتكلم وهو بيعيط بحرقة، الولد اللي مكنش بيسيب فرصة إلا ويسرق من محفظتي أيام الكلية عشان يصرف على صحابه: “إحنا غلابة والله، أستاذ فتحي هو اللي أقنعنا، قالنا نهى معاها ملايين ومش محتاجة الفيلا دي، وإحنا قاعدين في الإيجار الإيجار الجديد وهنترمى في الشارع!”

“وأنا مالي؟”، سألتهم وأنا برفع حواجبي بكل اندهاش سينمائي: “مش هما دول ‘رجالتك’ يا سعاد اللي كنتي بتبديليهم عليا؟ مش دول اللي كنتي بتقوليلي بكره ينفعوكي؟ خليهم ينفعوكي دلوقتي وهما داخلين البوكس.”

العساكر بدأوا يسحبوا فتحي والمحامية والنجار اللي كان بيندب حظه ويحلف إنه ميعرفش حاجة وجاي مع شغلة وخلاص. أمي فضلت ماسكة في السجادة، بتصرخ باسمي وتستعطفني، وإخواتي واقفين مكسورين، لأول مرة بشوفهم صغار أوي كده، صغار لدرجة إنهم يثيروا الاشمئزاز مش العطف.

قبل ما يخرجوا من البوابة، المقدم هشام بصلي وقال: “البلاغ شامل والدايرة مكتملة يا بشمهندسة، هتحتاجي تيجي الصبح النيابة عشان تسجلي أقوالك وتستلمي حرز الفيديو والعقد.”

“أكيد يا فندم.. الصبح أكون عندكم.”

الباب الكبير اتقفل. الفيلا رجعت لهدوئها الساحر. الصوت الوحيد اللي كان متبقي هو صوت نافورة الجاردن وصوت نفسي المتزن. مشيت في الصالة، رفعت كاس الماية وشربت باقي الجرعة. صبيت لنفسي فنجان قهوة مضبوط، وقعدت على الكنبة الجلد العريضة.

كان المفروض أحس بالانتصار، أو بالراحة، أو حتى بالشماتة… بس الواقع إنني مكنتش حاسة بأي حاجة خالص. الخوف الأكبر مكنش إنهم يسجنوا، الخوف كان إن الجرح اللي سابوه جوايا كبير لدرجة إن مشاعر الانتقام نفسها كانت باردة، مفيهاش أي حرارة.

قعدت لحد ما الفجر أذن. صوت التكبيرات بدأ يطلع من الميكروفونات بتاعة المساجد اللي حوالين التجمع. “الله أكبر الله أكبر.. لا إله إلا الله”. الصوت كان يدخل الروح، يطهر أي قذارة مرت عليا طول الليلة. العيد جه.. وأنا لوحدي، بس المرة دي لوحدي باختياري، مش لأن فيه حد نساني على الرصيف.

ساعتين بعد الفجر، الموبايل الخاص بتاعي رن. النغمة مكنتش نغمة الرسائل، ولا نغمة الكاميرات. كانت النغمة المخصصة لخط المكاتب السرية، الخط اللي ميعرفوش غير اتنين في مصر كلها: مدير المخابرات العامة، ووزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

رديت بصوت ثابت: “أفندم؟”

صوت راجل وقور ورصين جه من الناحية التانية، صوته كان فيه استعجال غير عادي: “يا بشمهندسة نهى.. أسفين جداً للتعطيل في صباحية العيد، بس عندنا حالة طوارئ قصوى.”

وقفت على حيلي: “خير يا فندم؟”

“السيرفرات المركزية لشبكة أمن المعلومات التابعة لوزارة المالية والبنك المركزي اتعرضت لخرق إلكتروني غير مسبوق من نص ساعة.. الخرق مش جاي من برة مصر يا نهى.. الخرق جاي من داخل السيرفرات الخاصة بفيلا التجمع.. الفيلا بتاعتك أنتِ بالذات. والآن، فيه أوامر بالقبض عليكِ بتهمة الخيانة العظمى وتخريب الاقتصاد القومي!”

القهوة وقعت من أيدي على السجادة البيضاء.

قبل ما ألحق أنطق أو أستوعب الكلمة، صدى صوت مروحيات عسكرية بدأ يرج إزاز الفيلا كله، وأضواء كاشفة حمراء وزرقاء غطت الفيلا من برة، وصوت مكبرات صوت بيصرخ في الشارع: “نهى سليم! الفيلا محاصرة بالكامل! اطلعي وأيدك فوق راسك فوراً!”

بصيت على شاشة المراقبة اللي قدامي.. الميكروباص بتاع أمي وإخواتي مكنش مجرد طمع عائلي.. العقد المزوف، واقتحام الفيلا، والتوقيت بتاع يوم الوقفة… كل ده كان مجرد ساتر عشان يدخلوا الشريحة المدمجة اللي النجار ركبها في صفيحة الكهرباء الرئيسية وهي بتفتح البوابة!

أمي.. جوزها.. إخواتي.. مكنوش جايين يسرقوا بيتي.. هما كانوا الكارت اللي استخدمته شبكة تجسس دولية عشان يلبسوني أكبر جريمة في تاريخ مصر الحديث!

ورني الموبايل تاني، نفس الصوت قال جملة واحدة قبل ما الخط يقطع تماماً: “لو سلمتي نفسك دلوقتي يا نهى.. هتموتي في السجن. الباب الخلفي للفيلا مفتوح، ومعاكي عشر ثواني بس تهربي.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى