روايات وقص

م ساكن الضريح لمياده مؤمن

الاب حسان الرفاعي رجل مسن ميسور الحال لا يفعل شيئاً سوى إقامة جلسات الذكر وقراءة القرآن الكريم وكتب الفقه، وهو من حبب ابنه في هذا الطريق. الأم مجيدة السيد تبلغ من العمر ما يقرب من خمسين عاماً، ولها أخت أصغر منها متزوجة في مدينة أخرى ولا يريان بعضهما سوى في المناسبات، ولها أيضاً ابن وحيد هو مالك.

 

الابن مالك حسان الرفاعي في منتصف العقد الثالث من عمره، طبيب جراح اجتاز شهادته من الخارج بعد أن حاز على منحة لتفوقه في شهادته الثانوية. استقر خارج البلاد ما يقرب من عشر سنوات، ولكنه عاد إلى وطنه.

الخالة ماجدة السيد شقيقة مجيدة الصغرى، امرأة في العقد الرابع من عمرها متزوجة من رجل واجه مشاكل كثيرة مع من يقف أمامه. أنجبت منه ابنة جميلة خفيفة الظل قصيرة بعض الشيء، وهي الابنة شذى محمد العسال، فتاة عشرينية تدرس بكلية التجارة، تحب المرح وتخاف الظلام.

وبعد مرور عدة سنوات وفي ليلة باردة..

بيت مبني على الطراز الديني يشبه دواراً ريفياً كبيراً مكوناً من طابقين. الطابق الأول مكون من ساحة واسعة بها مجموعة من الأرائك، وفي الوسط منضدة تفوح منها رائحة الأبخرة العطرة بالمسك، ومتصلة بها غرفة للطعام بها مائدة بيضاوية كبيرة.

يخرج رجل في منتصف العقد الثالث، يافع الطول وسيم، ذو لحية طويلة بعض الشيء ومنمقة. يضع منشفة خلف عنقه وينشد بصوته العذب وهو يستند على باب غرفة الطهي بكفيه:
أكاد من فرط الجمال أذوب
هل يا حبيبي في رضاك نصيب؟
جعلت قلبي يهفو في اللقاء
وإذا ذكرت يا حبيبي أطيب

مبدر كده ورايح على فين؟ وأوعى تقولي رايح الضريح! أنا حاسة بيك وأنت خارج تصلي الفجر وراجع وش الصبح من هناك، دنت مالحقتش تنام.

ربنا يخليكي ليا يا ست الكل، بس أنا رايح المستشفى عندي عملية بدري وممكن بعدها أرجع أنام براحتي بقى.

طب يا حبيبي، ربنا يريح قلبك ويرزقك ببنت الحلال اللي تسعدك يا مالك يا بني يارب.

اختفت بسمته فجأة وترك يدها مستعداً للرحيل:

ييييه! ما قلنا مليون مرة الدعوة دي مش مستجابة يا أم مالك، وما فيش حاجة بتسعد قلبي غير قعدتي في الضريح.

اتجهت خلفه وهي تتنهد بغضب:

بس أنت كده بردو بتغضب ربك يا شيخ مالك، أنت ناسي إن الجواز نص الدين ولا إيه؟

توقف عن السير مسترداً:

دا لقليل الدين يا حاجة مجيدة، وابنك والحمد لله عفيف الخلق عارف دينه على أكمل وجه.

كده يا مالك؟ طب خليك كده عايش لوحدك، وانا يعني هفضل قاعدة ليك؟ مانا مسيري أموت وتبقى بطولك في الدنيا، شوف بقى مين اللي هتخدمك وتراعيك بعدي.

اختصر الخطوات بينهم واضعاً كفيه على رأسها مقبلاً جبينها بحب:

ربنا يخليكي ليا يا أمي ويديلك طولة العمر، بس عشان خاطري كفاية بقى كلام في الموضوع ده، أنت عارفة إني مش بكره في حياتي غير قسوة القلوب.

ضمت حاجبيها بعدم فهم:

وهي أمك قاسية يا قلب أمك؟

لأ، أنت أم مالك وبس يا مجيدة.

كده؟ طب امشي من قصادي يا واد أنت يلا.. روح على شغلك أجري!

صعد الدرج سريعاً قبل أن تفتك به، قاصداً الطابق الثاني الذي يوجد به غرف النوم، وفي طريقه إلى غرفته تقابل مع والده الشيخ حسان.

صباح الخير يا أبويا.

صباح الخيرات والرضا يا دكتور، سامعك عمال تشاكس في أمك يعني، وصوت ضحكك مجلجل ورايق النهارده.

أه، الحمد لله على كل حال، بس وحياة حبيبك النبي يا شيخ لتقولها ترحمني بقى من حوار كل يوم ده!

اللهم صل وسلم وبارك على نبينا، يا بني أمك عايزة تطمن عليك، نفسها تفرح بيك.

يا حبيبي اطمنوا عليا أنتو الاتنين، أظن إني بقيت راجل يعني ومسؤول عن نفسي.

براحتك يا مالك، بس خد بالك أنت قربت تدخل على الأربعين والعمر بيجري يا بني.

طب أسيبك بقى قبل ما تكمل يا أبويا أحسن أنا كده هتأخر على شغلي، عن إذنك يا حج أنا هادخل ألبس.

اتفضل يا حبيبي، الله يرضى عليك يا بني.

تفرق الإثنان وكل ذهب إلى جهته. نزل الشيخ حسان إلى الأسفل وجد زوجته تمسك سماعة الهاتف الأرضي وتتحدث بصوت عالي بطريقة هستيرية:

أهدي يا ماجدة، فيكي إيه يا بنتي مش فاهمة منك حاجة!
…

يالهوي! مات إزاي يا نصيبتي يا ختي؟!
…

حاضر يا حبيبتي، أنا هجيب الشيخ حسان ومالك ونجيلك علطول.

ثم أغلقت الهاتف وهي تنظر إلى زوجها وتتقدم بلهفة نحوه:

بتكلمي مين يا حاجة؟
تخطته مستمرة في سيرها صاعدة إلى الأعلى وهي تحثه على الصعود معها:

دي ماجدة أختي يا شيخ حسان، يلا يا خويا مافيش وقت احنا لازم نسافر ليها دلوقتي.

نسافر فين عند اختك وجوزها؟ احنا مش قاطعين علاقتنا بيهم بسبب المشاكل دي؟ تقومي تقوليلي نسافرلهم برجلينا؟ لأ مافيش سفر!

أجابها زوجها:

أدى آخرة المشاكل، شوفتي اللي أختك باعت الكل عشانه آخرته كانت إيه؟ اللهم أحسن خاتمتنا يارب.

هو ده وقته يا شيخ؟ بقولك البت واقفة بطولها هي وبنتها قصاد عيلته، وأنت تقولي مشاكل ومشي بطال! أنا هاطلع ألبس العباية والطرحة عبال ما تحضر العربية عشان توديني يا مالك، وأنت بقى عايز تجي تعالي مش عايز براحتك يا شيخ حسان.

استنى بس يا أمي، أوديكي فين أنا ورايا عملية مهمة و…

اعتذر يا اخويا أنت كمان، أي دكتور غيرك يعملها! ماهو مش معقول يبقى ليا راجلين وما سافرتش لأختي اللي بتستنجد بيا بطولي، دا ايه الخيبة اللي انا فيها دي!

وققبل أن ينطق أحدهم بأي كلمة كانت قد دلفت إلى غرفتها وسريعا ما صفعت الباب من خلفها.

في وقت وجيز اجتاح الطريق وصلوا ثلاثتهم بسيارتهم إلى الحي الشعبي الذي تقيم فيه الخالة، وعندما توغل داخل هذا الحي بدأ يتوقف من حين لأخر ليسأل عن العنوان الذي وصفته له والدته، وأخيراً حددوا وجهتهم في شارع ضيق يعج بالبشر وأفراد الشرطة في كل مكان.

شباب ورجال كثيرون يقفون على الجانبين، ولكن وجود الشرطة يمنعهم. أخذ والده ودخلا إلى المنزل، وهناك التقوا بالخالة التي استقبلتهم بدموع الفزع. وبعد أن هدأت قليلاً، جلست على الأريكة التي تقابل مجلسه هو وأبيه وهي ما زالت ضامة ابنتها تحت ذراعها.

كفاية بقى عياط واهدي كده عشان تقومي تحضري نفسك أنت وبنتك عشان تيجي معانا.

رفعا الاثنان رأسيهما بصدمة محاولين أن يستوعبا ما قالته للتو, ليهتف الشيخ حسان:

مش قبل ما نعرف إيه اللي حصل يا حاجة مجيدة؟
قلبت عيناها بجمود له:

نعرفه بعدين يا شيخنا لما نوصل بيتنا بإذن الله، قومي يا ماجدة هدي بنتك وجهزوا نفسكم عشان نلحق نمشي قبل الليل ما يدخل علينا.

وقفت من جانبها وأومأت لها برأسها ثم تركتهم وذهبت حيث غرفة ابنتها. وبعد أن ذهبت، انفجر أخيراً بركانه الصامت ليخرج ما في داخله من غضب:

ممكن أعرف إيه اللي بتعمليه ده يا أمي؟

بعمل الصح يا عين أمك، جرا إيه يا دكتور؟ عايزني أسيب لحمي يتعرى أدام الناس يا بن الرفاعي؟

وهنا أجلسه أبيه بجانبه مرة ثانية ليتولى هو الحديث هذه المرة:

عايزانا نجيب المشاكل لروحنا؟ ندخل المشاكل بيتنا بأيدينا يا أم مالك؟

مشاكل ليه بس يا شيخ؟ احنا بيتنا محمي ببركة ربنا عمر المشاكل ما تدخله.

بنت محمد العسال ومراتها مش هيجلبولنا غير المتاعب، وأنا مش ناقص حد يتعرض لابني ولا ليكي بسببهم.

يعني أرميهم في النار بأيديا وأسيبهم؟ حاضر هقوم أقولها اقعدي هنا وتفرجي على بنتك…

أمييييي!

كتمت كلمتها عندما تذمر بتلك الكلمة مزمجراً بغضب:

تقدري تقوليلي هتقعدي بنت غريبة عني إزاي في بيتنا اللي علطول مفتوح لكل الناس؟

وأنت خايف عليها من الناس ولا خايف على نفسك ومش هتقدر تعفها وتغض بصرك يا شيخ مالك؟

صمتوا جميعاً والتفتوا للخارج لينظروا إلى تلك التي ظهرت أمامهم تتوسط شابة من سنها من جهة، ومن الجهة الأخرى تستند على والدتها.

سيبوني!

أمسكت صديقتها بيدها تحاول أن تهدئها:

كفاية بقى يا شذى حرام عليكي نفسك، هو أنت فاكرة إنك هتقدري تقفي قصاد الناس دي لوحدك؟

هذه المرة أجابتها والدتها:

وأنت يعني فاكرة إن اللي حصل سهل؟ وعماتك هما اللي هما بيضغطوا علينا ليه يا بنتي؟

اخرسي بقيي!

قالها وهو يتقدمهم للخارج ويقف أمامهم، يكاد الدم ينفر من عروقه وعيناه تطلق سهام نارية على عيناها الصافية كالماء. تفاجأت بقسوة الموقف، رفعت رأسها للأعلى حتى ترى وجه من زرع الرهبة في قلبها والجم لسانها، ثم همست بهدوء:

لازم تيجي معانا يا حبيبتي لحد ما الدنيا تهدى، احنا خايفين عليكي يا بنتي أنت هنا مش في أمان.

ودا بقى اللي هيحميني؟ مش مالي عينك؟

أنا إن شاء الله…

لأ!
يا سيدي مش مالي عيني ومتشكرين أوي، أصل المشرحة مش ناقصة قتلى!

اتكلمي عدل يا بت أنت، وادخلي غطي شعرك ده ومش عايز أسمع ليكي صوت لحد ما نشوف هنتصرف إزاي في الورطة دي.

جحظت عيناها برهبة شديدة، وقبل أن تجيبه استمعوا إلى دق قوي على الباب، ويبدو أن الطارق متلهف للدخول لهم بشدة. استدار عنها نحو باب الشقة لتجد نفسها قد وقفت خلف حصن منيع يحجب عنها الرؤية بالكامل.

أمي، خديهم وادخلي جوه لو سمحتي.

قالها مالك وهو يخطو نحو باب الشقة لتفعل والدته كما طلب منها، ولكن والده قطع عليه طريقه قبل أن يفتح الباب:

استنى يا بني، احنا مش عارفين مين اللي بره ومش هنعرف نتعامل مع الناس دي بطريقتهم.

ليه يا حج؟ ابنك مش مالي عينك أنت كمان ولا إيه؟

أنت مش زيهم يا مالك، ومش عايزين ندخل في مشاكل معاهم.

ما خلاص يا أبويا، أمي غرزتنا في المشاكل وخلاص.

مد يديه وفتح الباب ليتقابل مع شاب تقريباً من سنه:

نعم حضرتك عايز حاجة؟

أنا المقدم مصطفى، ظابط شرطة في قسم كرموز، ممكن أدخل أتكلم معاكم شوية؟

أه طبعاً، اتفضل.

وبعد أن جلسوا ثلاثتهم سويا، تكلم رجل الشرطة:

حضراتكم تبقوا مين وفين الحاجة ماجدة وبنتها؟

أنا الدكتور مالك حسان الرفاعي ابن أخت الحاجة ماجدة، ودا يبقى والدي، خير حضرتك عايزهم في حاجة؟

هو الحقيقة أنا كنت عايز أخدهم معايا القسم تاني، لأن حالياً هنا مش أمان عليهم خالص.

تاخدُهم تاني ليه؟ هما عليهم حاجة تدينهم لا سمح الله؟

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى