روايات وقص

س نفس ريحه البرفان

وأول ما باب  اتفتح شمّيت نفس ريحة البرفان اللي لقيتها في  سارة

لكن المرة دي كانت الريحة أقوى

دخلت وراها وأنا حاسس إن قلبي هيخرج من مكانه

الشقة كانت قديمة جدًا والأثاث بسيط ومتهالك والهدوء اللي فيها كان يخوف

وفجأة سمعت صوت ست كبيرة من جوه بتقول

«سارة؟ سارة جيتي يا بنتي؟»

سارة جريت عليها

وأنا وقفت مكاني

الست كانت قاعدة على كرسي جنب الشباك وشكلها في أواخر السبعينات وكانت بتبص لسارة بنظرة طفل صغير مستني أمه

قالت لها «اتأخرتي عليا النهارده»

سارة قربت منها وباست إيدها وقالت «معلش يا ماما الطريق كان زحمة»

ماما؟

أنا بصيت لسارة بصدمة

وقلت «دي والدتك؟»

سارة هزت راسها

«آه»

سألتها «طب ليه مخبية عني إن والدتك عايشة هنا؟»

قبل ما ترد الست الكبيرة بصتلي فجأة وقالت

«إنت مين؟»

سارة قربت مني وقالت «ده جوزي يا ماما»

الست بصتلي ثواني وبعدين ابتسمت

«جوز سارة؟»

قلت «أيوه»

فجأة ملامحها اتغيرت وقالت بصوت مرتعش

«إنت ابن محمود؟»

اتجمدت مكاني

محمود كان اسم أبويا

بصيت لسارة بسرعة

لكنها كانت بتبص للأرض

قلت «إنتي تعرفي أبويا؟»

الست حطت إيدها على صدرها وقالت

«أبوك كان هنا»

قلت «هنا إمتى؟»

سارة قاطعتها بسرعة

«ماما كفاية عشان تعبانة»

لكن الست مسكت إيد سارة بقوة وقالت

«لازم يعرف»

قربت منها وأنا حاسس إن في حاجة غلط

قالت «أبوك سابنا ومشي»

قلت «ساب مين؟»

الست بصت لسارة

وبعدين بصتلي

وقالت جملة خلت الدم يهرب من وشي

«ساب أختك»

سكت المكان كله

بصيت لسارة وقلت «أختي؟»

سارة عيطت

وأمي… أقصد الست الكبيرة… بدأت تردد كلام مش مفهوم

«كان عندها تلات سنين… خدها وقال هيرجع… بس مرجعش»

حسيت إن الدنيا بتلف بيا

أنا طول عمري فاكر إن عندي أخ واحد اسمه شريف

عمري ما سمعت عن أخت

ولا مرة

ولا حتى أبويا ذكر اسمها

رجعت لسارة وقلت بصوت عالي

«إنتي كنتي عارفة؟»

سارة مسحت دموعها وقالت

«أنا عرفت من ست شهور»

قلت «وعشان كده كنتي بتيجي هنا كل يوم؟»

هزت راسها

«أيوه»

قلت «وعشان كده كنتي بتغيري هدومك؟»

بصتلي وقالت

«ماما ساعات بتفقد السيطرة على نفسها بسبب المرض وبتوسخ هدومها من غير ما تحس وأنا مكنتش عايزة أرجع البيت وأنت تلاحظ»

فضلت ساكت

كل الظنون اللي عشت فيها الأسبوع اللي فات وقعت في لحظة

الخيانة اللي كنت متخيلها مكنتش موجودة

لكن اللي اكتشفته كان أسوأ

لأن السؤال الوحيد اللي فضل في دماغي كان

ليه أبويا خبى عني إن عندي أخت؟

وقبل ما سارة تتكلم الست الكبيرة قامت بصعوبة ومشيت ناحية دولاب خشب قديم

فتحت درج صغير وطلعت كراسة مهترئة لونها بني

حطتها قدامي على الترابيزة

وقالت

«أبوك كتب كل حاجة هنا»

بصيت للكراسة

وكان مكتوب على غلافها تاريخ واحد

1984

مديت إيدي ناحيتها

لكن سارة مسكت إيدي وقالت

«استنى»

بصيت لها

قالت بصوت مخنوق

«إنت مش مستعد تعرف اللي مكتوب جواها»

سحبت إيدي بهدوء

وقلت

«بعد اللي عرفته النهارده… لازم أعرف»

فتحت أول صفحة

وكان أول سطر مكتوب بخط أبويا

«لو ابني وصل للكراسة دي في يوم من الأيام… يبقى السر خرج من القبر»

لكن قبل ما أكمل السطر اللي بعده سمعت صوت مفتاح بيتحط في باب الشقة

الست الكبيرة اتخضت

وسارة قامت بسرعة

وقالتلي

«بابا؟»

دخل راجل كبير في السن

وأول ما شافني وقف مكانه

كان أبويا

رغم إن كل اللي أعرفه إنه مات من سبع سنين

وبصلي وقال

«إنت وصلت لها إزاي؟»

بصيت لأبويا وأنا مش قادر أطلع كلمة من بوقي

كنت شايف قدامي راجل أنا دفنته بإيدي من سبع سنين

قلت بصوت مهزوز «إنت… إنت مين؟»

ابتسم ابتسامة غريبة وقال «أنا أبوك يا ياسين»

رجعت خطوة لورا وأنا حاسس إن الأرض بتتحرك تحت رجلي

بصيت لسارة وصرخت «إنتي كنتي عارفة إنه عايش؟!»

سارة انهارت في العياط وقالت «أنا عرفت من شهرين بس»

أبويا قاطعها «هي ملهاش ذنب يا ابني»

قربت منه وقلت «ملهاش ذنب؟ إنت عارف أنا عشت كام سنة وأنا فاكر إنك مت؟ عارف أنا عملت إيه يوم ؟ عارف أمي ماتت وهي فاكرة إنك خلاص تحت التراب؟»

وشه اتغير

وقعد على الكرسي كأنه فجأة كبر عشرين سنة

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى