
وقال «أمك مكانتش تعرف الحقيقة»
صرخت «إيه الحقيقة؟!»
بص للكراسة اللي على الترابيزة وقال «الكراسة دي كانت آخر حاجة كتبتها قبل ما أختفي»
مديت إيدي عليها
قال «بس قبل ما تفتحها لازم تعرف إن اللي حصل سنة 1984 مش زي ما أمك كانت بتحكيلك»
قلت «أمي كانت بتقول إنك سبت البيت وهربت»
ضحك بمرارة وقال «أنا مفيش يوم هربت فيه منكم»
سكت شوية وبعدين قال «أنا اتجبرت أمشي»
قلت «مين أجبرك؟»
بص للست الكبيرة اللي كانت قاعدة في الركن
وقال «هي تعرف»
الست كانت باصة في الأرض ودموعها نازلة
قربت منها وقلت «إنتي مين بالظبط؟»
قالت «أنا خالتك»
اتصدمت
«خالتي؟»
هزت راسها وقالت «وأم أختك»
سارة قربت مني وقالت «الست دي كانت بتحاول تحمي بنتها طول السنين دي»
قلت «فين أختي؟»
محدش رد
كررت السؤال «فين أختي؟»
أبويا قام وقال «أختك عايشة»
حسيت نفسي اختنقت
«فين؟»
قال «قريبة منك أكتر مما تتخيل»
في اللحظة دي افتكرت حاجة
سألت سارة «إنتي عرفتي ماما دي منين؟»
سكتت
قلت «سارة ردي عليا»
قالت «أنا مكنتش أعرفها في الأول»
«أومال عرفتيها إزاي؟»
قالت «من خلال شغلي»
«يعني إيه؟»
بصت لأبويا
وهو قال «سارة هي اللي لقت أختك»
قلبي دق بسرعة
«إيه؟»
قال «من ست شهور كانت بتساعد في مؤسسة لرعاية كبار السن والحالات اللي ملهاش حد»
بص لسارة
«وفي يوم قابلت واحدة ست اسمها نجلاء»
أنا كررت الاسم ببطء
«نجلاء؟»
سارة هزت راسها
وقالت «نجلاء كانت بتزور الست دي من سنين»
بصيت لخالتي
قالت «نجلاء هي بنتي»
سكتنا كلنا
وأنا حاسس إن عقلي بيرفض يستوعب
قلت «بس أنا عمري ما سمعت الاسم ده»
أبويا قال «عشان عيلتنا دفنت الاسم ده قبل ما تدفنني»
سألته «مين عيلتنا؟»
قال «جدك وعمامك»
وبعدين فتح درج في الدولاب وطلع ظرف قديم
حطه قدامي
«ده كان سبب كل حاجة»
فتحت الظرف بإيد بتترعش
جواه صورة قديمة لطفلة صغيرة واقفة جنب أبويا
وعلى ضهر الصورة مكتوب
«نجلاء محمود عبد الرحمن»
حطيت الصورة على الترابيزة
وقلت «دي أختي؟»
أبويا قال «أيوه»
وبعدين سحب نفس طويل وقال
«بس في حاجة أهم من إنك تعرف إن عندك أخت»
بصيتله
«إيه؟»
قال
«أختك مش بس عايشة… أختك كانت بتدور عليك طول السنين اللي فاتت»
قلت «ليه؟»
أبويا قرب مني وقال
«عشان هي مقتنعة إنك السبب في اللي حصل لها»
وقتها سمعت خالتي بتصرخ من جوه
«لااا… متقولوش له!»
لفينا كلنا ناحيتها
كانت واقفة وبتبصلي بخوف
وقالت «لو عرف الحقيقة كاملة هيروح يدور عليها»
أبويا رد عليها بهدوء
«هو لازم يدور عليها»
وبعدين بصلي وقال
«بس لو لقاها… مش هيعرف يرجع زي الأول»
فتحت الكراسة مرة تانية
وقريت أول سطرين
لكن في الصفحة اللي بعدها كان فيه اسم واحد متكرر عشرات المرات
اسم شخص أنا أعرفه كويس جدًا
اسم كان موجود في حياتي من أول يوم اتولدت
وأول ما شوفته فهمت إن السر مش بس عن أختي
السر كان عن أمي كمان.
فضلت باصص للاسم المكتوب في الكراسة وأنا مش قادر أصدق عيني
كان اسم أمي
«فاطمة»
نفس الاسم مكتوب عشرات المرات وتحت كل مرة تاريخ مختلف وملاحظة قصيرة
«فاطمة عرفت»
«فاطمة رفضت»
«فاطمة لازم متعرفش»
«فاطمة وافقت في الآخر»
حسيت إن نفسي ضاق
رفعت عيني لأبويا وقلت «أمي كانت تعرف؟»
أبويا سكت
قلت بصوت أعلى «رد عليا يا بابا… أمي كانت تعرف إن عندي أخت؟»
قال «كانت تعرف جزء من الحقيقة»
ضربت بإيدي على الترابيزة
«جزء إيه؟! أنا عايز أعرف كل حاجة!»
خالتي بدأت تعيط وقالت «أختك اتولدت قبل ما أمك تدخل حياتنا»
بصيت لأبويا
قال «سنة 1984 كنت لسه شاب وكنت متجوز أم نجلاء»
اتجمدت
«يعني نجلاء بنتك من مراتك الأولى؟»
هز راسه
«أيوه»
«طب ليه محدش قال لي؟»
أبويا بلع ريقه وقال «لأن أمك لما اتجوزتها كانت عارفة إن عندي بنت… لكن عيلتنا قالت لها إن البنت ماتت»
صرخت «ماتت؟!»
قال «كانوا عايزين يخلصوا من الموضوع كله»
خالتي مسحت دموعها وقالت «أختك كانت صغيرة ومريضة وقتها وأبوها كان غرقان في الديون»
بصيت لأبويا
«إنت بعتها؟»
سكت
«إنت بعت بنتك؟»
قال بصوت مكسور «أنا كنت ضعيف»




