
شالت دُرة حتة القماش الأسود بـإيدين بترتعش، صوابعها كانت بتتخشب من البرد ومن الخضة. الفراغ اللي تحت البلاطة الخشب كان عميق ومظلم، والصندوق الحديد المركون جوّاه كان شكله قديم، عليه طبقة شحم تقيلة ومربوط بقفل ملوش مفتاح، بس القفل كان معلق، كأنه مقفول على العجل. دُرة مسكت الشمعدان النحاس ودبت بيه دبتين قبايا على القفل، لحد ما اتكسر وطار في زاوية الأوضة.
فتحت الغطا… ورجليها ما شالتهاش، فقعدت على الأرض الطين وهي حاطة إيدها على بقها عشان تمنع صرخة طالعة من نغاشيش قلبها.
الصندوق ما كانش فيه فلوس ولا دهب… الصندوق كان مليان أوراق رسمية بتلمع، وحزم مستندات مختومة بختم النسر، وفوقيهم دفتر مذكرات بغلاف جلد بني، مكتوب عليه بخط إيد حازم اللي دُرة تحفظه زي اسمها: «حقك مش هيروح يا أمي… لو أنا مش موجود، الخط ده هيتكلم».
دُرة سحبت الدفتر وأول صفحة فتحتها، كان فيها تاريخ قبل وفاته بأسبوع واحد بس. حازم كتب بصوت مخنوق بين السطور:
> “أنا عارف إن قلبي بيضعف، والدكاترة قالولي الحبل مشدود. أنا سكتّ لسنين عشان خفت على أمي من شر شيرين وأخوها هشام، بس اكتشفت إن السكوت كان أكبر غلطة عملتها. شيرين مش بس كانت بتكره أمي، شيرين وهشام كانوا بيسرقوا الشركة من ورايا، ومزورين عقود تنازل باسمها على كل أملكي، حتى فيلا التجمع اللي كتبتها باسم أمي من خمس سنين، زوّروا توقيعها وطلعوا إعلام وراثة مظروب… أنا حطيت أصول الأوراق هنا، وحطيت تسجيلات بصوتهم وهم بيتفقوا على تصفيتي بالبطيء بعلاج بيوقف القلب… لو القارئ للمذكرات دي أنتي يا أمي، فاعرفي إن ابنك ما سابكيش للكلاب، وافتحي الخزنة الصغيرة اللي جوة السباكة القديمة تحت الحوض…”
>
دُرة كانت بتقرأ والدموع بتنزل على الورق، تنقط وتسيب علامات كأنها بتغسل قهر السنين. العتاب المر اللي كان في قلبها ناحية حازم اتقلب لبركان نار… حازم ما سابهاش، حازم كان محبوس في جحيم وبيعافر عشان يحميها، ولما حس إن أجله قرب، ساب لها السلاح اللي تطعن بيه اللي ظلموها في قلبهم.
قامت دُرة زي المجدوبة، راحت عند الحوض الصدي، زقت الماسورة المكسورة بإيدها اللي بقت فجأة أقوى من السنديان، وطلعت السلك العازل، ولقيت العلبة المعدن الصغيرة… كان فيها أجنحة القوة اللي اتحرمت منها: عقد ملكية فيلا التجمع باسمها هي شخصياً ومختوم ومسجل في الشهر العقاري، شيك بـ 15 مليون جنيه مقبول الدفع باسم دُرة عبد الجواد، وفلاشة صغيرة سودا عليها تسجيلات هشام وشيرين.
في اللحظة دي، دُرة ما بقتش الست العجوزة المكسورة اللي اتطردت بجلابيتها السودا من التجمع. دُرة مسحت دموعها بطرف طرحتها، وعينيها تحولت لجمار حمرة. حطت الأوراق والأوراق في الشنطة الخيش القديمة، وخرجت من الكوخ وهي بتتسند على عصايتها، بس خطوتها كانت بتهز الأرض تحتها.
خرجت على الزفلت، وقفت أول عربية أوتوبيس رايحة القاهرة. وطول الطريق، كانت حاطة الشنطة على حجرها وبتبص من الشباك للغروب، وبتقول في سرها: «اللي افتكرتيه مات يا شيرين، لسة عايش… وسابلي سنانه عشان أفرسكم بيها».
في فيلا التجمع… كانت الساعة جاية على تسعة بالليل.
شيرين كانت قاعدة في الصالة الواسعة، لابة رجل على رجل، ولابسة فستان أحمر قانئ كأنها في عيد، ومسكة كاس العصير في إيدها، وهشام أخوها قاعد قدامها فتح لاب توب وموزع أوراق التنازلات المزورة على الترابيزة.
قالت شيرين وهي بتضحك بصوت عالٍ: «أخيراً الفيلا رِوقت من ريحة الطبية والجلابيب الكاستور… العجوزة زمانها تجمدت من البرد في الفيوم دلوقتي يا هشام».
رد هشام وهو بيشرب من سيجارته: «المهم نخلص نقل المحلات والأراضي باسمك بكرة الصبح، المحامي ظبط كل حاجة، وإعلام الوراثة يطلع إنك الوريثة الوحيدة معندكيش منافسين، لأننا شيلنا اسم أمه من الأوراق الحكومية على إنها متوفية من زمان».
فجأة… الباب الخارجي للفيلا اترزع رقعة هزت الشبابيك الإزاز كلها!
شيرين اتفضت والكاس وقع من إيدها اتكسر على الرخام: «إيه ده؟ السواق اتجنن ولا إيه؟».
هشام قام بسرعة وشد طبنجه كانت في درج المكتب وقرب من الباب… بس قبل ما يوصل، الباب اتفتح على آخره.
دخلت دُرة.
كانت واقفة على العتبة، الجلابية السودا عليها تراب الفيوم، والطرحة ملفوفة بحزمة قوية على رأسها، وعينيها فيها نظرة تخلي العتولة يترعبوا. ووراها كان واقف راجل ببدلة كحلي وتقيلة، وجنبه أربعة رجالة ببدلات سودا وهيبتهم تهز الجبال… الراجل ده كان «الأستاذ كامل المليجي»، أكبر محامي جنائي في مصر، وصديق عمري لحازم اللي شيرين ما كانتش تعرفه.
شيرين رجعت لورا خطوة ورجليها اتخبطت في الترابيزة: «أنتي… أنتي إيه اللي جابك هنا يا ولية أنتي؟ وهو مين اللي دخلكم كده؟ برة! يا أمن… يا حراسة!».
دُرة مشيت خطوات متزنة جوة الصالة، صباطها كان بيعمل صوت رزعة واثقة على الرخام. قربت من شيرين لحد ما بقت وشها في وشها، وقالت بصوت هادي زي السم، بس مسموع في كل شبر في الفيلا:
«الأمن اللي برة اتربطوا يا بنت الأصول… والبيت اللي أنتي واقفة فيه ده، بتاع الولية العجوزة اللي قلتي لها روحي موتي في العزبة».
هشام رفع الطبنجة في وش المحامي كامل: «أنتوا دخلتم سكن خاص، أقسم بالله أفرغ الخزنة دي في بطنكم!».
كامل المليجي طلع نضارته الطبية، لبسها بكل هدوء، وطلع من شنطته ورقة رسمية عليها النسر وأمر ضبط وإحضار فور نيابة الأموال العامة والقتل العمد!
كامل بص لهشام ببرود وقال: «نزل البتاع ده يا شاطر عشان ما تلبسش قضية مقاومة سلطات فوق القضايا اللي لابسها… النيابة العامة جيلكم في السكة دلوقتي، والفيلا دي مسجلة باسم الحجة دُرة عقارياً ومحفوفة بحكم تحفظي من الصبح».
شيرين وشها أصفر وبقى زي العيش الناشف: «قتل عمد؟ أنتوا بتخرفوا بتقولوا إيه؟ حازم مات بسكتة قلبية!».
دُرة قربت من شيرين، وطلعت الفلاشة السودا من جيبها، وحطتها قدام وشها:
«حازم ما ماتش بسكتة يا شيرين… حازم مات بالسم اللي كنتي بتحطيه له في دوا الضغط قطرة بقطرة عشان تجيبيله هبوط حاد. صوتك وصوت أخوكي وأنتوا بتتفقوا مع الدكتور المأجور تسجل هنا… بصوتك النجس وأنتِ بتقوليله “عايزاه يموت سكتة من غير ما حد يشك”».
شيرين عينها برقت بالرعب، وجسمها بدأ يترعش زي القصبة في الهوا: « كدب… كدب! الكلام ده متزور! حازم كان بيحبني!».
دُرة ضربتها بكف على وشها طير البرلنت اللي في أذنها! الكف ده كان فيه قهر 13 سنة، ووجع أم دفنت ابنها بيدها:
«حازم كان ساكت عشان كان فاكر إنك بني أدمة، بس حازم كان أذكى منك ومن أخوكي… حازم كان كاشفكم، وسابلي الدليل اللي يربط حبال المشنقة حوالين رقابيكم أنتوا الاتنين!».
في اللحظة دي، صوت سرينات بوليس الشغالة برة ضربت في الشارع كله، والأضواء الحمرا والزرقا غطت الشباك الإزاز الكبير بتاع الفيلا. دخل ضابط النيابة ووراه القوة، ومسكوا هشام اللي كان بيحاول يرمي الطبنجة من الشباك، وكلبشوه هو وشيرين اللي كانت بتصرخ وتتمرمغ على الرخام وهي بتستعطف دُرة:
«سامحيني يا حجة! سامحيني وحياة حازم عندك! ده هشام هو اللي زقني! والله هو اللي كان عايز الفلوس!».
دُرة بصلت لها وقرفانة، ولفت ضهرها ومشيت ناحية الترابيزة اللي عليها صورة حازم. شالت الصورة بشويش، مسحت التراب من عليها بكتف جلابيتها، وحطتها على قلبها.
وقفت دُرة في نص الفيلا وهي بتسمع صوت الكلبشات بتتقفل على إيدين شيرين وهشام وهم بيتسحلوا برة للبوكس، وقالت بصوت جالي هز أركان المكان:
«حازم ما ماتش يا شيرين… حازم هو اللي خرجني من الفيوم، وهو اللي جابني لحد هنا عشان أخد حقه وحقي… وأنتي بقى، روحي موتي في السجن يا خاينة… السجن اللي حيلتك!».
بعد شهرين…
دُرة كانت قاعدات في جنينة الفيلا، حاطة الشاي بالنعناع قدامها، والشمس بتدفي جسمها العجوز. الفيلا اتفتحت أبوابها للمساكين، وبقت دار أيتام باسم «حازم عبد الجواد»، والفلوس كلها اتحولت لأعمال خير تكفر عن التعب اللي شافه ابنها.
أما شيرين وهشام، فكان حكم الإعدام طالع عليهم مبدئياً بعد ما النيابة نبشت جثة حازم ولقوا أثر السم المتركم في العظام، والدكتور المأجور اعترف بكل حاجة.
دُرة مسكت صورة حازم، ابتسمت وهي حاسة بريحته طالعة من الورق، وقالت: «نام مرتاح يا حبيبي… حقك رجع، والبيت بقى عمران بالخير».
بس وهي بتمسح ظهر البرواز الخشب عشان تحطه على الترابيزة… صابعها خبط في سوستة حديد متدارية جوة البطانة الوراهم للصورة.
دُرة جمدت في مكانها… سحبت السوستة بشويش، وطلعت ورقة مطوية بصغير أوي، مكتوبة بخط حديث، وتاريخها كان… بعد وفاة حازم بيومين!
فتحت الورقة بإيدين بترتعش، وقرأت السطرين اللي مكتوبين بدم أنشف من الحبر:
> “يا أمي… لو قريتي الورقة دي، تبقي خلصتي من شيرين وهشام. بس افتكري… الشريط والتسجيلات ما كانوش مع حازم بس. اللي ساعد حازم يعمل كل ده، لسة قاعد معاكي في نفس الفيلا… افتحي الباب اللي وراكي دلوقتي!”
>
دُرة رفعت رأسها ببطء شديد والرعب بياكل قلبها… وسمعت صوت خطوة رجلين بتعدي الرخام وراها بالظبط!




