
نزلت ندى من درجات المدرج بخطوات ثابتة، عينها مش مفارقة خطوات مدحت وهو بيتخشب في مشيته ناحية الكواليس. زياد ومراد كانوا واقفين على المسرح، واحد ماسك الكأس والتاني الميدالية، وعيونهم بتلمع بفخر حقيقي مش مصنوع. مراد لمح أمه وهي ماشية ناحية الباب الخلفي، أشار لها بابتسامة وهز رأسه، وهي ردت الإشارة بنظرة تفهموها بينهم في ثواني.
راء الكواليس، الهواء كان مكتوم وريحة البخور اللي حاطينها المنظمين اختلطت بريحة العرق والتوتر. مدحت وقف عند الستارة العالية، إيده بتترعش وهو بيحاول يفتح أول زرار في قميصه اللي خنقه. نانسي كانت نازلة وراه بتجري، كعب جزماتها بيرن في الطرقات الرخام زي ضربات قلب مضطربة، ويوسف وراها يجر رجليه وبيمسح دموعه بدمغته.
“مدحت! أنت هتفضل ساكت كده?!” نانسي صرخت وهي بتشد كتافه بغل. “الولد ضاع! سمعتنا بقت في الطين! كل الصحفيين اللي بره بيصوروا المهزلة دي! اطلب الأمن يمنع العيال دول يخرجوا بالكأس!”
مدحت لف لها دفعة واحدة، وعينيه كانت حمرا بشكل يرعب. “اخرسي يا نانسي! قفلي بقك خالص!”
نانسي اتصدمت، رجعت خطوة لورا وهي حاطة إيدها على بقها، عمر مدحت ما رفع صوته عليها بالشكل ده قدام حد. في اللحظة دي، الباب الحديدي الخفي بتاع الكواليس اتفتح، ودخلت ندى.
المكان هدي تماماً. الموظفين والمنظمين اللي كانوا واقفين بيتهامسوا انسحبوا خطوة لورا، حاسين إن فيه قنبلة موقوتة على وشك الانفجار.
ندى كانت واقفة بثبات، شالها الأسود ملفوف ببساطة، ووشها خالٍ من أي انفعال. مش نظرة انتقام رخيصة، ولا نظرة شماتة، كانت نظرة شخص بيبص لشيء ملوش أي قيمة.
“أهلاً يا مدحت،” ندى قالتها بصوت هادي، بس يرن في الصمت. “كبرت وبقيت تلبس بدال شيك بفلوس غيرك.. ولا لسه بتبتدي من صفر الناس؟”
مدحت بلع ريقه بصعوبة، لسانه اتعقد. “ندى.. أنتِ.. العيال دول.. زياد ومراد؟”
“مالهم؟” ندى قربت خطوتين، “ولادي. زياد ومراد Ríos.. قصدي زياد ومراد اللي أنت كتبت وثيقة طلاقهم مع طلاقي وأنا في العمليات بتموت بين إيدين الدكاترة. فاكر؟ لما قلتلي مش هشيل شيلة عيال معوقين ممكن يطلعوا بمشاكل عشان ولادة مبكرة، وركزت أنت في مستقبلك؟”
نانسي عينها اتوسعت وهي بتبص لمدحت وبعدين لندى. “أنتِ بتقولي إيه يا ست أنتِ؟! مدحت مالمسش واحدة قبلي! أنتِ نصابة وجاية تبتزيه عشان الفلوس!”
ندى ما بصلتهاش أصلاً، وجهت كلامها لمدحت بس: “قلت لها إنك بدأت معايا من شقة السطوح في الحلمية؟ ولا قلت لها إن أول رأس مال بدأت بيه شركتك كان من بيع ورث أمي اللي أخدته مني بتوكيل مزور قبل ما تطلقني بيومين؟”
مدحت وشه اتقلب أصفر زي الورق الميت. “ندى.. ارجوكي.. مش وقت الكلام ده، الناس بره، الصحافة…”
“الصحافة؟” ندى ابتسمت، ابتسامة ثلجية. “أنت فاكر إن أنا جاية هنا عشان أظهر في التلفزيون؟ ولا فاكر إن عيالي طلعوا الأول بالصدفة في مسابقة أنت راعيها؟”
في اللحظة دي، الباب اتفتح تاني ودخل رجل في الخمسينيات، لابس بدلة رمادي أنيقة ووراه تلات رجال أعمال من كبار المستثمرين في القطاع التعليمي والتكنولوجي في مصر، ومعاهم المستشار اللواء حاتم الشاذلي، رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد المالي.
مدحت أول ما شاف المستشار حاتم، ركبه خبطت في بعضها. “سيادة المستشار.. خير؟ حضرتك شرفت المسابقة بس..”
المستشار حاتم بصل لندى واداه التحية بوقار، وبعدين بصل لمدحت بنظرة صارمة: “المهندس مدحت الجبالي. المسابقة دي مش بس كانت اختبار للولاد.. المسابقة دي كانت فخ للشركة بتاعتك.”
نانسي صرخت: “فخ إيه؟! أنت بتخرف بتقول إيه؟! أنت عارف بتمسح بكرامة مين الأرض؟!”
“اسكتي يا نانسي!” مدحت أخيرًا صرخ بانهيار وهو بيترعش.
المستشار حاتم كمل كأنه ماسمعش نانسي: “دكتورة ندى Ríos.. أستاذة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بجامعة ميونخ، واللي كانت المختبر الرئيسي لبرمجيات التقييم الخاصة بالمسابقة القومية السنة دي، قدمت للهيئة من تلات أسابيع أدلة دامغة إن السيرفرات الخاصة بمنح الألقاب والتفاضل تم اختراقها وتعديل درجات الطالب يوسف مدحت الجبالي من أسبوعين عشان يطلع الأول بامتياز.”
الصدمة نزلت زي الصاعقة. يوسف بدأ يعيط بصوت عالي، ونانسي وقفت مذهولة: “كدب! ابني عبقري!”
ندى طلعت جهاز تابلت صغير من شنطتها، ودست على القائمة، الشاشة الكبيرة اللي في خلفية الكواليس اشتغلت، وظهرت عليها تسجيلات صوتية وشاشات أكواد.
صوت مدحت بوضوح وهو بيكلم رئيس لجنة التقييم: “لو يوسف مأخدش المركز الأول، الدعم المالي للمؤسسة هيتقطع، اتصرفوا في درجات العيال التانيين، خصوصًا أي حد جايب درجات تقفيل.”
مدحت وقع على الكرسي الخشب اللي جنبه، مش قادر يشيل طوله.
ندى قربت منه لحد ما بقت على بعد خطوة واحدة، وطأطأت راسها شوية عشان تهمس في ودنه بكلمات الموت:
“من تلاتاشر سنة، أنت رميتني في الشارع وأنا معاية طفلين في الحضّانة، وقلتلي باللفظ: ‘أنتِ والعيال دول هتموتوا من الجوع في أزقة القاهرة’. أنا سفرت، اشتغلت، وربيت. زياد ومراد كتبوا الأكواد اللي كشفت التزوير بتاعك بنفسهم وهم عندهم 13 سنة. أنت مش بس خسرت المسابقة يا مدحت.. أنت خسرت الشراكة الدولية، والشركة القابضة حجزت على أصولك من ساعة واحدة بناءً على قضايا التزوير والاستيلاء على تركة زوجة سابقة.”
“لا.. لا يا ندى.. ارحميني..” مدحت بص لها بعيون كلها دموع وتوسل، “دول ولادي برضه! خليهم يسامحوني! ندائك..”
في اللحظة دي، دخل زياد ومراد من باب المسرح، حاطين الميداليات الذهبية في رقابيهم، ووقفوا جنب أمهم. مراد بص لمدحت بنظرة مشمئزة وقال بصوت هادي وجريء:
“أنت مش أبونا. أمنا هي اللي كانت الأب والأم. أنت مجرد اسم مشطوب من كتاب حياتنا.”
رجال الشرطة والمباحث الجنائية دخلوا من الباب الخلفي، ومعاهم أمر ضبط وإحضار لمدحت الجبالي بتهم التزوير، اختلاس أموال الدعم التعليمي، وتبييض الأموال عبر مؤسسته الخيرية.
مدحت اتسحب الكلبشات في إيده قدام عيون مراته الجديدة اللي كانت بتصرخ وتستغيث، وابنه اللي كان بيبص له بكسرة وعار مش هينساه طول عمره. الصحفيين بره كانوا بدأوا يتجمعوا بعد ما الأخبار تسربت، والفلاشات بدأت تضرب في وش مدحت وهو طالع ممسوك زي أي مجرم.
ندى أخدت ولادها من إيديهم، وخرجت من الباب الجانبي بعيد عن الهيصة.
العربية السوداء الفخمة كانت مستنياهم بره. زياد فتح الباب لأمه وقال: “كده الحساب اتقفل يا ماما؟”
ندى بصت للسماء الصافية فوق التجمع الخامس، وأخدت نفس عميق لأول مرة من تلاتاشر سنة.. نفس طالع من وسط الوجع والانتصار.
“الحساب اتقفل يا حبيبي..” ندى قالتها وهي بتبتسم، “بس اللي مدحت ما يعرفوش.. إن المعركة الحقيقية لسه هتبدأ بكرة.”
مراد اتعدل في قعدته وبص لأمه باستغراب: “معركة إيه يا ماما؟”
ندى طلعت تليفونها، وفتحت رسالة مشفرة وصلت لها من رقـم دولي غير معروف قبل خمس دقائق فقط، مكتوب فيها:
“دكتورة ندى.. مدحت كان مجرد الواجهة. الملفات اللي استرجعتيها من سيرفرات الجبالي فيها الأسماء الحقيقية للناس اللي دمروا مجهودك من 13 سنة في ألمانيا.. وهم حاليًا عارفين إنك في مصر.”
السيارة تحركت في ظلام الليل، وندى بصلت للشاشة الصغير وهي بتضغط على كلمة “مسح”، وعينيها بتلمع بشرارة خطيرة.. شرارة بتقول إن الماضي ما ماتش، وإن السلسلة لسه ليها حلقة أخيره وأشد فتكاً!