روايات وقص

مسكت الملف الاسود

سحبت إيدي منها ببطء، ونضفت المكان اللي لمسته بمنديل ورق كان على الترابيزة. الحركة دي كسرت آخر حتة كبرياء كانت فاضلة عندها.

“سترتم عليا؟ لا يا مدام ماجدة.. أنتِ استغليتيني. شغلتوني في البيت زي الخدامة لما كنت صغيرة، وكنتوا بتدوني بواقي الأكل، ولما كبرت ونجحت بذراعي، برضه ما سلمتش من ألسنتكم.. كنتوا محتاجين تشوفوني صغيرة عشان ضميركم الميت ما يأنبكمش.”

بصيت لمريم، ورجعت بصيت لرأفت.

“أستاذ رأفت.. البلاغ الصادر من الشئون القانونية لمجموعة شركاتي هيتقدم للنيابة العامة الساعة عشرة بالظبط.. يعني فاضل أربع دقايق.”

أبويا وقف فجأة، وشه جاب العرق بكثافة، وجسمه كان بيرتعش: “أنتِ بتهددينا؟ هتحبسي أبوكي وأمك وأختك؟!”

“أنت مش أبويا.” رديت بثبات مرعب. “أبويا مات من أربع وعشرين سنة.. وأنت مجرد شخص استغل طفلة يتيمة وسرقها. والعدالة مابتعرفش ألقاب.”

تلفون حسام رن. بصلنا برعب وما رديش، بس الصوت كان عالي كفاية. التلفون كان من مكتب الشئون القانونية في شركته.. الإقالة بقت رسمية، والتحفظ على أمواله بدأ.

شهد مسكت رأسها وبدأت تصرخ في حسام: “عملت فينا إيه يا غبي! شغلك ضاع! والفيلا هتتاخد منا! عيالي هيتردوا من المدارس!”

حسام زقها بعنف: “أنا غبي؟! أبوكي وأمك هما اللي حرامية! هما اللي غرقونا! أنا كنت ماش جنب الحيط لحد ما اتجوزتك وعيلتك الوسخة دي دخلت حياتي!”

المطعم كله بدأ يبص علينا. الناظر بتاع الفندق، اللي كان شايف كل حاجة من بعيد، قرب بخطوات سريعة. هو كان عارف أنا مين.. أنا المالك الجديد للفندق ده.

“سارة هانم.. تؤمري بحاجة؟ الأمن جاهز لو فيه أي إزعاج لسيادتك.”

بصيت لعيلتي اللي كانت بتتفكك قدام عيني زي بيت الكروت. شهد بتصرخ في جوزها، حسام بيشتم أبوها، وأمي قاعدة على الأرض بتنوح، وأبويا ماسك حتة من كراسي الرخام بيحاول يسند نفسه ووشه خالي من أي تعبير غير الرعب.

“لا يا حازم.. مفيش إزعاج.” قلت له بابتسامة باردة. “بس الهوانم والأستاذة خلصوا الفطار بتاعهم.. ومظنش إنهم هيقدروا يدفعوا الفاتورة. ضيفها على حساب القضية.”

لفيت ضهري.

مسكت شنطتي، ومريم مشيت جنبي، ورأفت ورايا. كل خطوة كنت ببتعد بيها عن الترابيزة دي، كنت بحس إن حجر ثقيل كان كاتم على نفسي طول 34 سنة بيقع وبيتحطم.

خرجنا لتراس الفندق، وشمس الشرم كانت طالعة صافية والمية بتلمع. الهواء النقي دخل صدري، ولأول مرة في حياتي، حسيت إني بتنفس بجد.

“سارة هانم،” مريم قالت وهي بتمشي جنبي: “النيابة العسكرية والأموال العامة استلموا الفايل.. وفي خلال ساعة هيكون فيه قرار ضبط وإحضار لرضا الجبالي وماجدة عبد السلام، وتحفظ على كل أصولهم بما فيها فيلا التجمع وشركات الشحن الصورية.”

وقفت عند العربية المرسيدس السودا اللي كانت مستنياني أمام الباب. السواق فتح لي الباب.

بصيت لمريم وابتسمت: “ومودا نيو؟”

“كل الفروع شغالين كالمعتاد.. والبضاعة الجديدة وصلت للغردقة والشرم بدون أي عجز.”

هزيت رأسي. “كويس.. العمال والموظفين أهم من أي حاجة. هما اللي بنوا المكان ده معايا.”

ركبت العربية. الموتور اشتغل بصوت هادي جداً. بصيت من الشباك الفيميه على باب الفندق. شفت من بعيد عربيتين شرطة داخلين ببطء من بوابة الفندق الخارجية، أضواء النجادة الخفيفة بتلمع على الأسفلت.

شهد كانت طالعة تجري من الباب الزجاجي بتعيط وبتبص على عربيتي، بتلوح بإيدها كأنها بتترجاني أقف. بس أنا ما أديتش إشارة للسواق يوقف.

العربية تحركت ببطء، وأنا ساندة رأسي على الكرسي الجلد.

كل حاجة انتهت. التريقة، الإهانة، السنين اللي قضيتها وأنا فاكرة إني أقل منهم.. كل ده اتمسح في لحظة. أنا مش بس أثبت إنني أذكى منهم في البيزنس.. أنا أثبت إن الحق، مهما اتدفن تحت أطنان من الكذب والتزوير، بيطلع في الآخر ويهد كل المظاهر الكدابة.

تلفوني اتهز في جيب الجاكيت.

سحبت التلفون.. كان رقم غير مسجل.

فتحت الخط: “ألو؟”

صوت راجل غريب، نبرته هادية جداً وفيها ثقة ارعاب، جه من الناحية التانية:

“مساء الخير يا سارة هانم.. أو أقول يا دكتورة سارة؟”

سكت لحظة. النبرة دي مش نبرة حد من عيلتي، ولا حد من موظفيني.

“مين معايا؟”

الراجل ضحك ضحكة قصيرة، خفيفة: “أنا المالك الحقيقي لـ 30% من أسهم شركة ‘نexo’ اللوجستية.. الأسهم اللي جدتك ‘فاطمة’ باعتها في السقالة سنة 2010 قبل ما تطلع من السوق.”

عيني وسعت. جدتي عمرها ما قالت لي إن فيه شريك خفي في ‘نexo’. السيستم كله أنا اللي بنيته!

“جدتي باعت الأسهم دي لمين؟” سألت بصوت محدد.

الراجل رد بثقة: “ليّ أنا.. والنهارده، بعد ما دمرتِ عيلتك وأخذتِ حقك.. أظن جه الوقت عشان تعرفي إن ‘نexo’ مش مجرد شركة شحن.. دي كانت الغطاء اللي جدتك استخدمته عشان تخبي سر أكبر بكتير من فلوس أبوكي.. سر هيغير مفهومك عن البيزنس وعن عيلتك كلها.”

صوت عربيات الشرطة وهي بتعدي من جنب عربيتي كان عالي، بس الصوت اللي في التلفون كان أعلى في دماغي.

“سر إيه؟” سألت، وصوابعي اتشدت على التلفون.

“افتحي التجويف المخفي في صندوق الخزنة النحاس بتاعة جدتك.. اللي في بيتها القديم في وسط البلد.. هتلاقي مفتاح. المفتاح ده بيفتح باب في السرداب تحت فرع ‘مودا نيو’ الأولاني.. الباب اللي أبيلك وأمك كانوا بيحاولوا يوصلوا له طول السنين دي.. مش الفلوس يا سارة اللي كانوا عايزينها.. كانوا عايزين اللي تحت الفرع.”

الخط اتدفل.

تلفوني رجع للكونسول. بصيت من الشباك، البحر كان ممتد للمدى البعيد، والعربية كانت بتسرع على طريق المطارات.

أنا كنت فاكرة إن النهاردة نهاية القصة.. بس اكتشفت إن اللي حصل في الفطور ده.. كان مجرد الستارة اللي اترفت عشان تبدأ اللعبة الحقيقية.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى