
أبويا بلم، عيونه كانت هتطلع من مكانها:
— “إنت.. إنت بتقول إيه؟ كداب! إنت حتة ميكانيكي بياخد باليومية!”
حسن سحب من شنطة مريم الدوسيه الأسود اللي كنا جايبينه معانا. فتحه ورماه على الترابيزة قدام أبويا:
— “دي السجلات التجارية يا حاج كامل. ده مجمع صلاح سالم اللي على مساحة 2000 متر.. وده فرع التجمع الجديد اللي على السبعين، اللي افتتاحه الأسبوع الجاي.. ودي ميزانية الشركة المعتمدة من البنك الأهلي. السلسلة دي قيمتها السوقية تجاوزت الـ 45 مليون جنيه كاش.. مش قروض ولا مظاهر كدابة.”
أمي صرخت بالراحة وحطت إيدها على بؤها. ندى قامت وقفت وهي بتترعش:
— “أستاذ حسن.. إنت.. إنت بتقول الحقيقة؟ شريف؟”
شريف وشم الأرض وخبى وشه، مكنش قادر ينطق كلمة واحدة.
حسن تلف لأبويا، وقال بصوت هز جدران الفيلا:
— “أنا لما اتجوزت مريم، اتجوزتها عشان هي ست البنات، ووافقت تعيش معايا في الأوضة والصالة ونبني القرش على القرش. كنا بنوفر جنيه الجنيه، مش عشان نشتروا عربيات بمليون ونصف بالتقسيط عشان نتفشخر بيها على الناس، كنا بنوفر عشان نعمل كيان. مريم حسابها في البنك لوحده من أرباح الأسهم يشتري الفيلا دي باللي فيها كاش يا حاج!”
أبويا حاول يقف، رجله خذلته وقعد تاني. شفايفه كانت بترتعش، والكبرياء اللي عاش بيه طول عمره انكسر في ثانية واحدة قدام الحقيقة المادية الجافة. بص لمريم وقال بصوت مخنوق ومتقطع:
— “مريم.. إنتِ.. إنتِ كنتِ عارفة؟ وسبتيني.. سبتيني أتكلم وأقول…”
مريم قربت من أبوها، وقفت قدامه ورجلها ثابتة على الأرض. المرة دي مكنتش البنت الضعيفة اللي بتوطي راسها وتعيط لما أبوها يذلها قدام أختها. المرة دي كانت مريم، الشريكة والست اللي بنت إمبراطورية من اللاشيء.
قالت له بنبرة أبرد من الثلج:
— “أنا قلتلك يا بابا في نفس الليلة وهي طالعة من الباب وسيف بيعيط في رقبتي: ‘هتندم يا بابا’.. بس إنت مكنتش بتسمع، إنت كنت مشغول بتسمع صوت مفاتيح عربية شريف اللي اتسحبت.”
أمي قربت مسكت إيد مريم وتوسلت:
— “يا بنتي.. عشان خاطري، بلاش الفضايح، انقذوا أختك وزوجها، الناس هتاكل وشنا!”
مريم سحبت إيدها بهدوء من إيد أمها:
— “إحنا مش جايين ندفع ملليم يا أمي. الفلوس دي فلوس الشقا والتعب، مش فلوس الفشخرة والمنظرة. اللي يصرف مليون ونص عشان يعير غيره، يتحمل مسؤلية طمعه وفشله.”
حسن حط إيده على ضهر مريم وقال:
— “إحنا جايين عشان حاجة واحدة بس يا حاج كامل.. جايين نقولك إنك من النهاردة مش هتشوف سيف ابننا تاني إلا لما تتعلم يعني إيه احترام. والورشة اللي كنت بتقول عليها بتطلع ريحة شحم.. الريحة دي هي اللي شالت اسم العيلة دي من الضياع، بس إحنا مش هنشيل الديون.”
حسن مسك إيد مريم، ولفوا عشان يخرجوا.
في اللحظة دي، شريف قام أترجى حسن وصاح بصوت هستيري:
— “يا حسن بيه! أرجوك! البنك هيحبسني! المعرض هيرفع قضايا شيكات بدون رصيد! الحقني!”
حسن وقف عند الباب، وما لفتش وشه، قال بس:
— “اللي يبني بيته من أزاز، ما يرميش الناس بحجارة يا شريف.. إنت اخترت المنظرة، كمل طريقك فيها.”
خرجنا للشارع الهادي. الشارع كان مظلم، بس الشاهين القديمة كانت مستنيانا، صوت الموتور لما حسن دوره كان قوي ونقي ومفهوش غلطة.
قعدت جنب حسن في العربية، وفتحت الشباك. الهوا البارد ضرب في وشي. بصيت للفيلا من برة.. كانت أضواءها المنورة بتبان من بعيد زي قفص دهبي فاضي ومخلوق من الشمع اللي بدأ يسيح.
حسن مسك إيدي وهو سايق وقال:
— “مرتاحة يا مريم؟”
ابتسمت، ودمعة واحدة نزلت من عيني، بس مش دمعة حزن.. دمعة تحرر:
— “أول مرة أتنفس بجد من سنين يا حسن.”
بس فرحتنا واطمئناننا مكنوش كاملين..
لأن بعد ساعة واحدة بس، ولما كنا بنفتح باب شقتنا في شبرا، موبايل مريم رن.
الرقم كان رقم مستشفى التجمع التخصصي.
سكتنا إحنا الاتنين. مريم ردت والجمعة كانت بتقطّع، الصوت على الناحية الثانية كان صوت دكتور الطوارئ:
— ” حضرتك مريم كامل زهران؟”
— “أيوه أنا.. خير يا دكتور؟”
— “والدك الحاج كامل وصل المستشفى في حالة حبل شوكي وسكتة دماغية حادة.. ولما فتشنا في حاجته لقينا وثيقة تنازل رسمية ومبايعة باسمك أنتِ وحسن زوجك لكل أملكه والفيلا، ومكتوبة بتاريخ النهاردة قبل ما يقع بساعة.. وفي جواب مع المحامي باسمكم، بيقول إن الكارثة مش في دين شريف.. الكارثة إن الفيلا نفسها كان محطوط عليها رهن لراجل أعمال كبير، والنهاردة بالليل ميعاد التنفيذ وسحب الفيلا!”
الموبايل وقع من إيد مريم على الأرض، والصوت طلع من السبيكر المكسور:
— “الناس بتوع الرهن واقفين قدام الفيلا دلوقتي ومعاهم أمن خاص.. ومحتاجين المالك الجديد فوراً وإلا هيطردوا والديكم في الشارع!”
بصيت لمريم.. وبصتلي.. السر الكبير مكنش فلوسنا، السر كان إن أبويا كان بيغرق من سنين وبيغطي غرقه بشتيمتنا.. ودلوقتي، المفاتيح بقت في إيد الميكانيكي!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




