
الريكورد قفل. التليفون فضِل في إيدي، وصوته وهو بيفصل كان عامل زي صوت جهاز رسم القلب لما بيقف. “الملجأ؟” الكلمة نزلت على وداني زي مية نار. قعدت على الكنبة في الصالة، والزمالك كلها بشوارعها ونيلها ومطرها لفوا بيا. أنا مش بنتهم؟ الثمانية وتلاتين سنة اللي عيشتهم، اسم فريدة الشناوي، الملامح اللي كنت بلمحها في المراية وأقول شبه عمتي الله يرحمها، الوجع والذنب والكسوف اللي كنت بتربى عليهم عشان أبقى “البنت المطيعة”.. كل ده كان تمثيلية؟
تليفوني رجع يرن تاني. شاشة التليفون منورة باسم “أبويا”. لأ، مابقاش أبويا، بقا “عاصم الشناوي”. سبت التليفون يرن لحد ما فصل لوحده، ودخلت على طول على الإيميل اللي بعتته مديرة الحسابات. فتحت البي دي إف (PDF) وعيني بتتحرك على الأرقام والأسماء. خمسة وستين مليون جنيه. القرض مسحوب بضمان حساباتي الاستثمارية وصناديق السندات اللي باسمي في البنك. الإمضاء.. الإمضاء بتاعي بالملي، الشورتة اللي في آخر الحرف، الكسرة اللي في حرف الراء، حتى البصمة!
“داليا..” همست بالاسم وأنا حاسة إن سناني بتخبط في بعضها. داليا أختي -أو اللي كنت فاكراها أختي- مضت كشريك ضامن، والفلوس دخلت حساب شركة المقاولات بتاعة عاصم ومازن، ومنها اتحولت في نفس اليوم لحساب شركة “أوف شور” برة مصر. هما مكنوش بياخدوا مني فتافيت بس، هما كانوا بيحفروا قبري المالي وهم مستنيين اللحظة اللي هقع فيها عشان يردموا عليا.
لبست جاكت جلد أسود، لميت شعري، وأخدت مفاتيح عربيتي التويوتا القديمة -العربية اللي كانت بتكسفهم- ونزلت. المطر كان زاد، وكورنيش الزمالك كان فاضي تقريبًا. كنت بسوق وأنا مش شايفة قدامي من كتر الأفكار اللي بتضرب في دماغي. طول عمري كنت البنت اللي بتشيل الليلة، البنت اللي بتتنكد عشان الباقي يتبسط، كنت فاكرة إن ده “حق الأبوة والأخوة”، لكن الحقيقة كانت أوسخ من كدة بكتير؛ هما كانوا بيعاملوني كأني “سبوبة” أو “شيك على بياض” لقوه في الشارع وقرروا يصرفوه لآخر مليم.
وصلت التجمع الخامس الساعة واحدة بعد نص الليل. الشوارع كانت هادية، والفيلا بتاعة عاصم الشناوي كانت منورة بالكامل، كأنهم مستنيين جثة بتدخل عليهم. ركنت العربيتة ونزلت، ومجرد ما حطيت إيدي على جرس الباب، الباب اتفتح كأنهم كانوا واقفين وراه.
كان مازن. وشه كان أصفر، وعينيه زايفة، والسيجارة في إيده بتترعش. أول ما شافني ملقاش الشجاعة اللي كانت عنده الصبح وهو بيتطاول عليا.
“فريدة.. كويس إنك جيتي، بابا جوه مش قادر وبنموت من الرعب.”
دخلت الصالة الكبيرة. النجف الكريستال، الصالون المدهب اللي أنا دافعة تمنه، السجاد الحرير اللي جايباه من برة.. كل حاجة في البيت ده كانت بتصرخ بفلوسي، وبقرفي. عاصم الشناوي كان قاعد على الكرسي الهزاز، ماسك علبة الدوا وإيده بتترعش، وأمي -أو الست اللي عيشت معاها عمرى- قاعدة على الكنبة بتعيط ووشها في الأرض. وداليا.. داليا كانت قاعدة في الركن، حاطة رجل على رجل، وبتبصلي بنظرة كلها غل وتحدي، مكنش فيها نقطة ندم واحدة.
وقفت في نص الصالة، حطيت إيدي في جيوب الجاكت وقلت بصوت حاد ومستقر كأنه الموت:
“مين يبدأ الكلام؟ القرض اللي بخمسة وستين مليون؟ ولا حكاية الملجأ؟”
عاصم الشناوي رفع راسه، وبصلي بعيون مكسورة وقال بصوت مبحوح:
“يا بنتي.. اسمعيني بس.. إحنا كنا في زنقة كلنا، والشركات كانت هتقع، ومازن كان هيتحبس بسبب شيكات من غير رصيد، وداليا جوزها مكنش يعرف إنها مديونة للمحلات برة.. إحنا ملناش غيرك.”
ضحكت. ضحكة عالية ورنانة لدرجة إن أمي اتخضت وبصتلي برعب.
“ملكمش غيري؟ فقررتوا تزوروا إمضائي وبصمتي؟ وتلبسوني قضيّة توديني ورا الشمس؟ وتسرقوا شقا عمري كله عشان مازن بيه يركب مرسيدس وداليا هانم تسافر تصيف في الساحل؟”
داليا وقفت فجأة، وزعقت وهي بتقدم عليا:
“جرى إيه يا فريدة؟ ما تلمي نفسك! أنتي فاكرة نفسك مين؟ طول عمرك عايشة في وسطنا كأنك هانم وإحنا الشحاتين، نازلة فينا تمنن وفلوسك وفلوسك.. نسيتي نفسك؟ نسيتي إحنا لميناكي منين؟”
أمي صرخت:
“اسكتي يا داليا! يخرب بيتك اسكتي!”
“لأ مش هسكت يا ماما!” داليا كملت وهي وشها قالب أحمر وعينيها بتطلع شرار: “خليها تعرف الحقيقة! أنتي حتة عيلة لقيطة! بابا وماما راحوا ملجأ في جمعية شرعية في طنطا عشان يتبنوا بنت بعد ما أنا اتولدت والدكاترة قالوا لماما مش هتحملي تاني.. بس سبحان الله، أول ما جابوكي البيت، ماما حملت في مازن! يعني أنتي حتى مكنش ليكي لزمة، وجودك كان مجرد قدم خير عشان مازن ييجي! عيشتي تمن وتلاتين سنة باسم الشناوي، أكلتي وشربتي واتعلمتي في أحسن مدارس بفلوس الشناوي، ولما كبرتي وبقى معاكي قرشين من شغلك اللي بابا وظفك فيه في الأول، فاكرة نفسك هتعلي علينا؟ الخمسة وستين مليون دول تمن السنين اللي عيشتيها في وسط أسيادك!”
الكلام كان بيخبط في صدري زي الرصاص. كنت حاسة إن الأكسجين بيقل في الأوضة، بس مسمحتش لنفسي أتهز. بصيت لعاصم الشناوي وقلتله:
“الكلام ده صح؟”
عاصم خبى وشه بين إيديه ومردش.
أمي قامت وجريت عليا، حاولت تمسك إيدي وهي بتعيط:
“يا فريدة يا بنتي.. والله أنا اللي مربياكي، أنتي بنتي اللي مخلفتهاش.. داليا غبية ومش فاهمة حاجة.. إحنا عملنا كدة عشان نحمي البيت ده من الخراب.”
بعدت إيدي عنها ببرود تام. النظرة اللي في عيني كانت كفيلة تخليها ترجع لورا.
“أنا مش بنتك. وأنا من الليلة دي ماليش عيلة.” بصيت لداليا وقلت لها: “أما أنتي بقى.. فالخمسة وستين مليون دول هيدخلوكي السجن أنتي وأبوكي وأخوكي.. التزوير عقوبته جناية، وأنا مش هسيب مليم واحد.”
مازن خطى خطوة ناحيتي وقال بصوت فيه تهديد:
“سجن مين يا روح أمك؟ أنتي فاكرة نفسك هتعرفي تثبتي حاجة؟ الورق كله سليم، والبصمة بتاعتك حقيقية! نسيتي الأسبوع اللي فات لما جيتي هنا ونمتي بعد ما شربتي العصير وبابا قالك بنمضي ورق توكيل قديم؟ البصمة حقيقية يا دكتورة، يعني قانونًا أنتي اللي واخدة القرض، ولو البنك اشتكى.. أنتي اللي هتتحبسي مش إحنا!”
في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا وضحت قدامي تمامًا. افتكرت اليوم ده، لما جيت وكانوا معاملتهم معايا طيبة بزيادة، وأمي عملتلي عصير مانجو بإيدها، وبعدها نمت نوم تقيل جدًا على الكنبة ومصحيتش غير تاني يوم الصبح وهم بيقولوا لي إن ضغطي وطي. هما خدروني.. خدروني عشان يبصموا صباعي على العقود.
بصيت لهم كلهم، واحد واحد. عاصم الشناوي الخاين، أمي الكدابة، مازن الحرامي، وداليا المغلولة.
قلت بهدوء مرعب:
“تمام.. يعني البصمة حقيقية.”
داليا ضحكت بثقة:
“آه حقيقية، وبكرة الصبح لو الفلوس مرجعتش والتحويلات مكنتش في حساباتنا، إحنا اللي هنبلغ البنك إنك عاجزة عن السداد، والبنك هيحجز على كل أرصدتك وصناديق الاستثمار بتاعتك.. يعني هترجعي على الحديدة، زي ما لاقيناكي!”
هزيت راسي، وابتسمت. ابتسامة خلت مازن يقلق وعاصم الشناوي يرفع عينه ويبصلي بخوف.
“أنا ماشية.” قلتها بكل بساطة ولفيت ضهري.
“فريدة!” عاصم زعق: “مش هتخرجي من هنا غير لما نتفق! هترجعي السيستم وتسيبي القرض يمشي ولا لأ؟”




