
مردتش عليهم، فتحت الباب وخرجت في المطر. ركبت عربيتي، وقفلت الأبواب. تليفوني كان مليان رسائل وإشعارات، بس أنا مكنتش شايفة غير حاجة واحدة: حريتي. طول عمري كنت فاكرة إني مديونة لهم بوجودي، والنهارده عرفت إني مش مديونة بمثقال ذرة لأي حد فيهم.
طلعت تليفوني، واتصلت برقم واحد بس.. رقم “سيف الإبياري”.
سيف مش بس صديق عمري، ده أكبر محامي جنايات واقتصادي في مصر، والشخص الوحيد اللي كان دايما يقولي: “عيلتك دي بتمص دمك يا فريدة، افتحي عينك”.
رد عليا وصوته كان صاحي رغم إن الساعة كانت اتنين بالليل:
“فريدة؟ أنتي كويسة؟”
“سيف.. أنا محتاجاك في مكتبك دلوقتي حالا. اللعبة بدأت، وعايزة أهد المعبد على اللي فيه.”
نص ساعة وكنت في مكتب سيف في جاردن سيتي. المكتب كان دافي، وريحة القهوة ملياه. سيف كان قاعد ورا مكتبه الخشب الكبير، ولما دخلت وشاف وشي والمطر مغرقني، قام بسرعة وجابلي فوطة وكوباية مية سخنة.
“اقعدي يا فريدة، واحكيلي.. إيه اللي حصل؟”
قعدت، وحطيت اللاب توب بتاعي قدامه. فتحت الإيميل وعقود القرض، وحكيتله كل حاجة.. من أول رسالة أبويا، لحد كلام داليا عن الملجأ، وحوار العصير والتخدير والبصمة. سيف كان بيسمع وعينيه بتتحول لكتلة من الغضب، بس في نفس الوقت، علامات المحامي الذكي بدأت تظهر على وشه.
لما خلصت، سيف سكت لمدة دقيقتين كاملين، بيقلب في ورق القرض على الشاشة. بعدين بصلي وقال:
“هما فكروا في كل حاجة.. خدروا عشان البصمة تطلع حقيقية ومفيهاش اهتزاز، وزوروا الإمضاء بنقل احترافي.. والفلوس هربوها برة مصر لحساب شركة وهمية عشان البنك لما يدور ملاقيش فلوس كاش في حساب شركة المقاولات، فيرجع عليكي أنتي كضامن.”
“يعني إيه يا سيف؟” قلتله وأنا حاسة بنار في صدري: “يعني هما هيفلتوا؟ يعني أنا هخسر كل حاجة؟”
سيف ابتسم ابتسامة خبيثة، وقام وقف وتمشى في المكتب:
“يفلتوا؟ أنتي بتتكلمي مع سيف الإبياري! هما غبيا يا فريدة.. الحرامي دايما بيسيب وراه خيط، وهما سابوا حبل مشنقة هيلف حوالين رقبتهم كلهم.”
“إزاي؟”
“أولاً: حكاية العصير والتخدير. الكلام ده بقاله أسبوع صح؟”
“آه، الجمعة اللي فاتت.”
“ممتاز. بكره الصبح أول حاجة هنعملها، هنروح معمل تحاليل خاص وموثق، وهنعمل تحليل سموم متقدم لشعرك. بعض المواد المخدرة والمنومة بتفضل آثارها في بصيلات الشعر لمدة بتوصل لشهور. لو ثبت وجود مادة منومة بجرعة عالية في جسمك في التوقيت ده، هيبقى معانا دليل مادي على سلب الإرادة.”
“تمام.. وإيه تاني؟”
“ثانيًا، وده الأهم: هما حولوا الفلوس لشركة أوف شور برة مصر عشان يهربوها.. صح؟”
“صح، الاسم مكتوب في العقود (شين للخدمات التجارية).”
“الشركة دي متسجلة في جزر الكايمان.. بس هما ميعرفوش إن من ست شهور بس، مصر وقعت اتفاقية تبادل معلومات ضريبية ومكافحة غسيل الأموال جديدة مع الدول دي. وبصفتي المستشار القانوني لقطاع الرقابة على البنوك.. أنا هرفع بلاغ رسمي لنيابة الأموال العامة العليا بتهمة غسيل الأموال، والنصب، وتزوير محررات بنكية.”
سيف قرب مني وبص في عيني بثقة:
“فريدة.. القضية دي مش هتبقى مجرد قضية مدنية البنك بيطالبك فيها بفلوس. القضية دي هتبقى قضية أمن دولة وأموال عامة. داليا مضت كشريك ضامن، وعاصم ومازن هما المستفيدين من الحسابات اللي استقبلت الفلوس. يعني هما الثلاثة في قفص اتهام واحد، والجريمة عقوبتها السجن المشدد من 7 لـ 15 سنة.”
حسيت بـ جبل بيتشال من فوق صدري. بس سيف مخلص كلامه:
“بس فيه حاجة يا فريدة.. لازم تبقي قوية. لما البلاغ ينزل، البنك هيجمد حسابات شركة الشناوي فورًا، وهيطلبوا التحقيق. هما هيعرفوا إنك بدأتي الحرب، ومش هيسكتوا. هيحاولوا يستغلوا نقطة الملجأ دي عشان يكسروكي نفسيًا أو يشهروا بيكي.”
وقفت وبصيت من شباك المكتب على النيل.
“الملجأ؟ سيف.. أنا السنين اللي عيشتها معاهم مكنتش عايشة في جنة. أنا كنت عايشة في سجن من الذنب والابتزاز العاطفي. كانوا دايما بيحسسوني إني أقل، إني غريبة، إني لازم أقدم أكتر عشان أستاهل رضاهم. دلوقتي بس فهمت السبب. الحقيقة دي مكسرتنيش.. الحقيقة دي حررتني. أنا معنديش مشكلة مصر كلها تعرف إني بنت ملجأ وبنيت نفسي بنفسي، بس عندي مشكلة إن حرامي يدوس عليا.”
سيف ابتسم وبصلي بفخر:
“هي دي فريدة الشناوي اللي عرفتها. بكرة الصبح الحرب هتبدأ.”
مرت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام من الهدوء اللي بيسبق العاصفة.




