
في الأيام دي، عملت تحليل السموم وطلعت النتيجة إيجابية بوجود مادة “البروفوفول” بتركيز عالي في عينة الشعر، وده يثبت إني كنت تحت تأثير مخدر قوي في اليوم ده. سيف جهز ملف القضية بالكامل، وقدم البلاغ لنيابة الأموال العامة في سرية تامة، وصدر قرار سري بالتحفظ على حسابات شركة الشناوي للمقاولات ومنع عاصم ومازن وداليا من السفر لمرور القرض بشبهة غسيل أموال.
في اليوم الرابع، العاصفة بدأت تضرب بيت الشناوي.
كنت قاعدة في مكتب شركتي في وسط البلد، بتابع مؤشرات البورصة، لما التليفون بدأ يرن. المرة دي مكنش مكالمات عادية.. دي كانت صرخات.
الأولى كانت داليا. صوتها كان منهار، بتعيط بهستيريا:
“فريدة! إلحقيني يا فريدة! البنك قفل حساباتي، وجوزي عرف بالمصيبة وطردني من البيت وعايز يطلقني وياخد العيال! المباحث كانت هنا في الفيلا بيسألوا عليا وعليكي وعلى بابا! أنتي عملتي إيه؟ أبوس إيديكي تنازلي عن أي حاجة، أنا هروح في داهية!”
قلت ببرود:
“مش أنتي قلتي إن الخمسة وستين مليون دول تمن السنين اللي عيشتها معاكم؟ اعتبري السجن هو تمن الغل والتزوير اللي عيشتي فيه. مع السلامة يا داليا.” وقفت السكة في وشها.
المكالمة التانية كانت من مازن. صوته مكنش فيه أي شجاعة، كان بيرتجف كأنه طفل خايف من الضلمة:
“فريدة.. أرجوكي.. بابا جاله جلطة خفيفة ونقلوه المستشفى، وأمي قاعدة في الأرض بتصوت. إحنا بندمر يا فريدة.. الشركات هتقفل، وعربيتي سحبوها مني النهاردة الصبح قدام الناس في الشارع عشان القسط متدفعش.. أنا مستعد أبوس رجلك بس اسحبي البلاغ!”
“أبوك في المستشفى؟” قلتله بقسوة: “المستشفى اللي أنا كنت بدفع مصاريفها والتأمين بتاعها؟ خليه يجرب المستشفيات الحكومية بقى، يمكن يحس بالناس اللي ملقياش تاكل. وأنت يا مازن.. اتعود على المشي، عشان السجن مفيش فيه مرسيدس.” وقفت الخط.
أنا مكنتش حاسة بالشماتة، كنت حاسة بالعدالة. الأرض اللي كانوا فاكرين إنهم مالكينها بدأت تتهز تحت رجليهم وتتبلع.
بعدها بساعتين، سيف كلمني:
“فريدة، النيابة استدعت عاصم ومازن وداليا للتحقيق بكرة الصبح الساعة 10 في مجمع المحاكم. وأنتي مطلوب حضورك بصفتك المجني عليها ومقدمة البلاغ. جهزتِ نفسك؟”
“جاهزة يا سيف. أكتر من أي وقت فات.”
اليوم التالي – الساعة 9:45 صباحًا.
مجمع المحاكم كان زحمة، وصوت الخطوات والمحامين بيملا الممرات الطويلة والضيقة. كنت لابسة بدلة سوداء كاملة، ونظارة شمس، وماشية جمب سيف الإبياري اللي كان لابس روب المحاماة وبيمشي بثقة وثبات.
أول ما وصلنا قدام مكتب وكيل النيابة، شوفتهم.
المنظر كان يصعب على الكافر، بس مأثرش فيا بشعرة. عاصم الشناوي كان قاعد على كرسي متحرك، مازن سانده ووشه دبلان ودقنه طلعت في تلات أيام كأنه كبر عشر سنين. وداليا كانت قاعدة في الأرض، من غير مكياج، عينيها ورمة من العياط، وهدومها مبهدلة. وأمي.. أمي كانت واقفه في الركن، ماسكة سبحة وبتدعي بانهيار.
أول ما داليا شافتني، قامت وجريت عليا، حاولت ترمي نفسها تحت رجلي:
“فريدة! عشان خاطر ربنا.. بلاش سجن، أنا عندي عيال.. ولادي هيضيعوا! أنا أسفة.. أنا كنت غلّاوية وحقودة، بس أنتي أختي الكبيرة.. متعمليش فيا كدة!”
مازن جه وراها، وعينيه مليانة دموع:
“فريدة.. إحنا غلطنا، الشيطان عمى عينا.. بابا هيموت لو دخل الحجز.. أرجوكي.”
بصيت لهم من ورا النظارة الشمس. قلعت النظارة ببطء وقلت بصوت مسموع للكل:
“الشيطان معمىش عينكم.. أنتم اللي الشيطان اتعلم منكم. لما كنت بدفع وبتدبس وأموت من الشغل عشان تعيشوا في المنظرة الكدابة، كنت فريدة الطيبة المطيعة. ولما قلت لأ.. سرقتوني وخدرتوني ورميتوني في النار. اللي بيني وبينكم دلوقتي هو القانون.”
الحاجب خرج وزعق بصوت عالي:
“المتهمين: عاصم الشناوي، مازن الشناوي، داليا الشناوي.. والمجني عليها فريدة الشناوي.. يدخلوا جوه!”
دخلنا الأوضة الكبيرة بتاعة وكيل النيابة. وكيل النيابة كان راجل تلاتيني، ملامحه جادة وصارمة جداً. الورق كله كان متستف قدامه على المكتب. قعدنا على الكراسي، وعاصم بالكرسي بتاعه جمب مازن وداليا.
بدأ التحقيق. سيف الإبياري قدم المحضر المرفق بتحليل تفصيلي من معمل السموم، وقدم كشوف الحسابات اللي بتثبت إن الفلوس خرجت لحساب شركة وهمية مستفيد منها عاصم ومازن. وكيل النيابة بدأ يواجه داليا بإمضائها كشريك ضامن، ويواجه مازن بتحويلات الفلوس.
داليا بدأت تنهار وتعترف بكل حاجة:
“يا فندم والله بابا ومازن هما اللي قالولي! قالوا لي فريدة مش هتعرف تعمل حاجة والبنك مش هيشتكيها عشان هي اللي هتدبس! أنا مضيت بس والله ما كنت أعرف إنها هتوصل لكدة!”
مازن زعق فيها:
“أنتي هتلبسينا القضية لوحدنا يا كدابة؟ ما أنتي كنتِ واخدة نصيبك عشان تدفعي ديونك!”
الوضة اتحولت لـ خناقة شوارع بين الأخوات اللي كانوا من كام يوم بيضحكوا مع بعض على طاولتي. عاصم الشناوي كان قاعد باصص في الأرض، دموعه بتنزل بقلة حيلة. وأنا كنت قاعدة بتفرج عليهم ببرود تام، كأني بتفرج على فيلم سينما رخيص.
وكيل النيابة خبط على المكتب بقوة:
“بس! اسمعوا هنا! القضية تزوير في محررات بنكية، واستعمال محرر مزور، وسرقة بالإكراه تحت تأثير مادة مخدرة، وغسيل أموال. الأدلة والقرائن كلها مكتملة ضدكم.”
التفت وكيل النيابة ليا وقال:




