
“يا فندم.. بصفتك المجني عليها، هل عندك أي أقوال إضافية أو رغبة في الصلح؟”
قبل ما أنطق، عاصم الشناوي رفع راسه وبصلي بنظرة رجاء أخيرة.. نظرة أب بيستعطف بنته. وأمي من ورا الباب كانت بتبصلي بقلب مكسور.
بصيت لوكيل النيابة وقلت بثبات:
“لأ يا فندم. مفيش صلح. أنا بطالب بتطبيق أقصى عقوبة على المتهمين لحماية المجتمع من ناس مبيعرفوش يعني إيه أمانة ولا يعني إيه عيلة.”
وكيل النيابة هز راسه، وبدأ يكتب في المحضر. داليا صرخت صرخة عالية وهزت الأوضة، ومازن قعد على الركبتين في الأرض وهو بيعيط.
بعد نص ساعة من الكتابة والمداولة، وكيل النيابة رفع راسه وقال بصوت جهوري حسم كل حاجة:
“قررت النيابة العامة: حبس المتهمين عاصم الشناوي، مازن الشناوي، وداليا الشناوي، خمسة عشر يومًا على ذمة التحقيق، ويراعى التجديد في الميعاد القانوني، مع التحفظ على كافة أموالهم المنقولة والعقارية، وإحالة القضية إلى محكمة الجنايات العاجلة.”
العساكر دخلوا فورًا. الكلبشات الحديدية لمعت تحت إضاءة المكتب اللمبات الفلورسنت. الكلبش الأول اتسحب في إيد مازن، والكلبش التاني اتثبت في إيد داليا اللي كانت بتصرخ وتضرب العسكري وهي منهارة تماماً. وعاصم الشناوي سحبوه بالكرسي المتحرك وهو باصص في الفراغ كأنه مات إكلينيكيًا.
خرجت من مكتب النيابة، وسيف ورايا. الممر كان مقلوب بصوت صريخ داليا وعياط أمي اللي جرت ورا العساكر وهم بياخدوهم على حجز المحكمة تحت.
وقفت في طرقات المجمع، أخدت نفس عميق.. لأول مرة من سنين أحس إن الهوا بيدخل صدري بجد، من غير وجع، من غير ثقل. سيف حط إيده على كتفي وقال:
“خلاص يا فريدة.. حريتك رجعتلك بالكامل، والبنك تواصل معايا وأكد إن التحفظ هيتفك عن حساباتك خلال ساعات بعد قرار النيابة.”
“شكراً يا سيف.. لولاك كنت ضعت.”
“أنتي اللي قوية يا فريدة.. يلا نمشي من هنا؟”
“يلا.”
تعدينا البوابة الخارجية لمجمع المحاكم. المطر كان وقف، والشمس بدأت تطلع من بين السحاب وتنون شوارع القاهرة. ركبت عربيتي التويوتا القديمة، العربية اللي هما كانوا بيتكبروا يركبوها، وحسيت إنها أحسن من مليون عربية مرسيدس في الدنيا.
سوقت وجمبي سيف في عربية تانية، وكنت مقررة إني هروح شقتي في الزمالك، أقفل تليفوني، وأنام لمدة يومين كاملين عشان أنسى السنين اللي فاتت وأبدأ حياتي الجديدة.. فريدة اللي ملهاش ماضي، بس ليها مستقبل قوي ومستقل.
وصلت قدام عمارة الزمالك الساعة 4 العصر. ركنت العربية ونزلت. البواب جِري عليا وهو وشه مخطوف:
“حمد الله على السلامة يا بشمهندسة فريدة! فيه حاجة غريبة حصلت من ساعتين.”
وقفت وقلتله بقلق:
“حاجة إيه يا عم محمد؟”
“فيه عربية سودا كبيرة، زجاج فاميه، وقفت قدام العمارة. نزل منها راجل شيك جداً، لابس بدلة كاملة، وسأل عليكي بالاسم. ولما قلتله إنك مش موجودة، ساب الجواب ده وقالي أديهولك في إيدك أول ما تيجي.. وقالي الجواب ده فيه حياتك القديمة وحياتك الجديدة.”
عم محمد طلع من جيبه ظرف أسود تقيل، مقفول بختم شمع أحمر.. الختم كان على شكل “طائر العنقاء”.
قلبي بدأ يدق بسرعة غريبة. أخدت الظرف من إيده، وطلعت الشقة بسرعة. قفلت الباب ورايا، دخلت الصالة، وقعدت على الترابيزة. إيدي كانت بترتعش وأنا بفتح ختم الشمع الأحمر.
طلعت من الجواب ورقة بردي قديمة، مكتوبة بخط يد محترف بلغة عربية فصحى وبأناقة شديدة، ومعاها مفتاح فضي قديم جداً عليه نقوش غريبة، وصورة فوتوغرافية قديمة باللون الأبيض والأسود.
بصيت للصورة الأول..
جسمي كله تلج، والظرف وقع من إيدي على الأرض.
الصورة كانت لـ ست وشاب في اواخر العشرينات، واقفين قدام قصر قديم وضخم جداً في منطقة جاردن سيتي.. الست اللي في الصورة كانت شبهي بالملي! نفس رسمة العين، نفس الضحكة المكسورة، نفس الشامة اللي تحت شفتي الشمال.. مكنش فيه أي مجال للشك، دي مش شبهي.. دي أنا، أو بالأصح، دي أمي الحقيقية.
فتحت ورقة البردي وبدأت أقرا السطور المكتوبة بالحبر الأسود:
“إلى فريدة.. أو كما سُميتِ في دفاترنا القديمة (ياسمين النحاس).
إذا كنتِ تقرأين هذه الرسالة الآن، فهذا يعني أن عائلة الشناوي قد نالت جزاءها، وأنكِ كشفتِ لعبتهم القذرة التي بدأت منذ اثنين وثلاثين عامًا.
عاصم الشناوي لم يتبناكِ من ملجأ يا فريدة.. عاصم الشناوي سرقكِ.
أنتِ الابنة الوحيدة والوريثة الشرعية لـ (كامل النحاس)، أكبر تاجر ذهب وآثار في تاريخ مصر الحديث، والذي توفي في حادث غامض مع زوجته (والدتكِ) عام 1994. عاصم الشناوي كان يعمل محاسبًا بسيطًا لدى والدكِ، وفي ليلة الحادث، وبمساعدة أطراف أخرى، قام بخطفكِ وإخفاء هويتكِ بالكامل، واستولى على جزء صغير من ثروة والدكِ ليؤسس بها شركته، بينما الجزء الأكبر من الثروة.. ثروة النحاس التي تقدر بالمليارات.. بقيت مخفية في مكان لا يملكه أحد سوى الوريث الشرعي.
المفتاح الفضي الذي بين يديكِ هو مفتاح السرداب السري تحت قصر النحاس المهجور في جاردن سيتي.. القصر الذي يبعد خطوات عن مكتب محاميكِ سيف الإبياري.
اذهبي هناك يا ياسمين.. وافتحي السرداب، لتكتشفي من أنتِ بحق، ومن هم الأشخاص الذين يديرون هذه اللعبة من خلف الستار منذ سنوات.. والذين ينتظرون عودتكِ الآن.
صديق قديم لوالدكِ.”
وقفت والورقة في إيدي، وعقلي مش قادر يستوعب الصدمة. عاصم الشناوي مسرقش فلوسي بس.. ده سرق عمري، سرق اسمي، سرق أهلي! الحكاية مكنتش حكاية بنت ملجأ كبرت واشتغلت، الحكاية كانت مؤامرة دولية وتصفية حسابات وسرقة عيلة بحالها!
في اللحظة دي، تليفوني اتهز في إيدي..
المرة دي مكنش رسالة من البنك، ولا مكالمة من سيف.
كانت رسالة من رقم مخفي (Unknown Number)، فتحتها ورجلي مش شايلاني. الرسالة كانت عبارة عن جملة واحدة بس:
“إحنا شايفينك من شباك القصر دلوقتي يا ياسمين.. انزلي، عشان أصحاب والدك القدام عايزين يسلموا عليكي.. والوقت بيجري.”
بصيت من شباك شقتي في الزمالك، وشوفت على الناحية التانية من النيل، عربية سودا واقفة، وإضاءة كشافاتها نورت وطفيت تلات مرات ورا بعض.. كأنها إشارة بداية للعبة الجديدة.. اللعبة اللي أنا لسه معرفش قوانينها ولا مين اللي بيلعبها!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




