
سلفتي دايماً كانت شايفة إن أي حاجة بتاعتي هي من حقها… ولما حرقتلي العباية اللي أبويا الله يرحمه جابهالي من الحج، ومكلفتش نفسها حتى تعتذر، ورمتهالي في كيس بلاستيك على باب شقتي، قررت إنها لازم تدفع التمن غالي أوي، وتتعلم درس عمرها ما هتنساه.
الموضوع معاها مابداش من يوم وليلة.
طول السنتين اللي فاتوا وهي بتستلف مني كل حاجة.
شنطة خروجي السودة.
طقم الكاسات الكريستال.
المكواة البخار.
وحتى سيشوار شعري.
كل حاجة كانت بترجع متأخر.
أو متبهدلة.
أو متصلحة لزق عشان اتكسرت.
ومن غير حتى كلمة “آسفة”.
يوم الخميس اللي فات، جاتلي تطلب العباية القطيفة المطرزة بتاعتي.
العباية دي بالذات غالية عندي أوي.
أبويا الله يرحمه كان جايبهالي هدية من آخر عمرة ليه قبل ما يتوفى.
ريحتها لسه بتفكرني بيه، وكنت بشيلها في الدولاب كأنها حتة مني، ومابلسبهاش غير في المناسبات القريبة لقلبي.
المرة دي قلبي اتقبض، وقلت لأ.
قلتها صريحة.
— معلش يا سمر، العباية دي بالذات مش هقدر أدهالك.. دي غالية عليا وذكرى من بابا.
بصتلي باستنكار كإني شتمتها.
— يا بنتي ده أنا هحضر بيها كتب كتاب بنت خالتي بس، يعني كام ساعة وهرجعهالك متكوية ومتعطرة كمان!
فضلت تزن، وحماتي كانت قاعدة وبتبصلي بلوم إني بكبر الموضوع على حتة قماشة.
ومش عارفة إزاي، من كتر الضغط والإحراج، لقيت نفسي بقول:
— ماشي يا سمر، خديها.
صباح السبت…
لقيت كيس بلاستيك أسود متعلق في أوكرة باب شقتي.
ماخبطتش عليا.
ماقلتش شكرًا.
وماجابتهاش في إيديها.
فتحت الكيس.
العباية كانت متكورة جوه كأنها حتة خردة.
طلعتها، وريحة شياط قوية ضربت في مناخيري.
فردتها… ولقيت الكارثة.
حرق كبير أوي في نص العباية من قدام، واكل التطريز ومسيّح القماش حواليه.
دي مش لسعة بسيطة، دي كأنها اتسابت تحت المكواة ربع ساعة!
فضلت باصة للعباية، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
أخدت العباية ونزلتلها شقتها.
كنت رايحة وأنا متخيلة إنها هتعيط من الإحراج وتتأسفلي وتقولي إنها ماكانتش عارفة تواجهني من كتر الكسوف.
فتحتلي الباب وهي ماسكة الموبايل ببرود.
بصتلي وقالت:
— أيوة، العباية.
وبعدين كملت بضيق:
— بصراحة قماشتها رديئة أوي وبتاع زمان، المكواة لزقت فيها من أول لمسة!
ألبس فستان قديم ومظهري كان وحش أوي قدام قرايبي، بوظتلي اليوم الصراحة!
في اللحظة دي… كل حاجة وضحت.
هي ماكانتش مكسوفة.
وماكانتش حاسة بالذنب.
دي كانت بتلومني أنا، علشان “قماشة عبايتي” بوظت خروجتها!
عرفت ساعتها إن الطيبة معاها ضعف، وإنها شايفة إن كل حاجة في حياتي مستباحة ليها، وإني مهما حصل هسكت وأعدي.
بس المرة دي، هي داست على أغلى حاجة عندي.
رجعت شقتي.
قعدت على الكنبة، وبصيت للعباية المحروقة.
وبعدين مسحت دموعي، وجاتلي فكرة.
فكرة خبيثة، بس عبقرية…
قررت أردلها الضربة في أغلى حاجة هي بتتباهى بيها قدام العيلة كلها، وكنت متأكدة إن اللي هعمله هيخليها تلف حوالين نفسها…
”الحكاية لسه ما انتهتش…”
#الكاتبه_نور_محمد
مسحت دموعي بإيدي، وبصيت للعباية المحروقة المرمية على السرير. الكسرة اللي حسيتها في قلبي ما كانتش بس عشان القماش اللي اتدمر، لكن عشان ريحة أبايا الله يرحمه اللي اتنست تحت قسوة سمر وبرودها. في اللحظة دي، عرفت إن اللي يسكت عن حقه مرة، بيترخص ألف مرة.
سمر نقطة ضعفها الوحيدة في الدنيا هي “المنظرة”. تحب تظهر قدام العيلة إنها هانم، لبسها أغلى لبس، ومجوهراتها أحدث طراز، وإن جوزها “إبراهيم” طايعها ومغرقها في الفلوس، رغم إن الكل عارف إن إبراهيم على قد حاله وبيربط القرش بالقرش.
وكانت المناسبة الكبيرة قربت… خطوبة بنت حماتي الصغيرة، يعني أخت جوزي، وده حدث العيلة كلها مستنياه من سنتين.
سمر من قبلها بشهر وهي ما حيلتهاش سيرة غير الفستان السواريه القطيفة اللي اشتريته مخصوص للمناسبة دي. فستان مستورد، جايباه بمبلغ خيالي، ومفصلاله طرحة بالخرز واللؤلؤ، وكانت حاطاه في كفر بني ومقيدة عليه في دولابها كأنه جوهرة، عشان تدخل بيه الصالة وتخطف بيه الأنظار من العروسة نفسها.
نزلتلها بعد يومين. غيرت ملامح وشي تماماً، ولبست قناع الهدوء والرضا. أول ما فتحتلي الباب وبصتلي بحذر، ابتسمت لها ابتسامة عادية جداً وقلت لها:
— صباح الخير يا سمر… أنا نزلت أعتذر لك لو كنت اتعصبنت عليكي أول أمس، أنا بس العباية كانت متصانة عندي عشان ذكرى بابا، بس خلاص… حصل خير والفستان والعباية فداكي، المهم مفيش زعل بينا.
سمر عينها وسعت باستغراب، وبعدين ملامحها اتملت باستعلاء وغرور وقالت وهي بتهز رأسها:
— أيوة كده يا شيخة! كبرتي عقلك.. أنا أصلًا كنت زعلانة إنك عاملة مشكلة على حتة قماشة قديمة، يلا حصل خير.
دخلت عندها، وقعدت معاطاها بكل هدوء. كانت الطعمة اتنطرت، وسمر بلعت الطعم من غير ما تحس.
في وسط الكلام، فتحت هي سيرة الفستان كالعادة، وقامت جابته من الدولاب عشان تتباهى بيه قدامي. طلعت الفستان من الكفر… فستان أحمر عنابي قطيفة، مطرز بتطريز يدوي يدوي على الصدر والكمام، فعلاً قطعة فنية.
سمر قالت بتباهي:
— شايفة الفستان ده؟ ده أنا خاداه بقسط على ست شهور من المعرض الكبير، إبراهيم كان هيرفض، بس أنا أخدت من وراه السلسلة الدهب بتاعة حماتي اللي كانت شايلاها عندي، ورهنتها عشان أدفع العربون!
هنا… قلبي دق بسرعة.
سمر من غير ما تدري، رمتلي المفتاح اللي كنت بدور عليه! سمر رهنت سلسلة حماتي الدهب اللي كانت أمانة عندها، عشان تشتري فستان تتباهى بيه، وإبراهيم جوزها ما يعرفش حاجة!
سيبتها تفيض في الكلام وتتباهى، وأنا بسجل كل كلمة في عقلي. طلعت شقتي وأنا خطتي مكتملة تماماً، ومش باقي غير التنفيذ يوم الخطوبة.
قبل الخطوبة بيومين، نزلت لحماتي وكانت قاعدة لوحدها. قعدت جنبها وبست إيدها، وبدأت أفتح معاها الكلام بهدوء:
— يا ماما… إنتي عارفة أنا بحبك قد إيه وبحترمك، وعارفة إن العباية اللي سمر حرقتها كانت من ريحة المرحوم بابا… بس أنا مش جاية أشتكي. أنا بس جاية أسألك عن السلسلة الدهب بتاعتك اللي كانت مع سمر، أصلها قالتلي إنها محتاجة تلميع عشان تلبسها في الفرح، وأنا خايفة عليها تتسرق أو تضيع في الزحمة.
حماتي بصتلي بذهول وقالت:
— سلسلة إيه يا بنتي؟! السلسلة الدهب الكبيرة في علبتها فوق في الدولاب عندي!
ابتسمت بحزن وقلت لها:
— لأ يا ماما… بصي في العلبة الأول، والتأكد مش هيخسر حاجة.
حماتي قامت جراي على الأوضة، فتحت الدولاب والعلبة… وكانت الصدمة! العلبة كانت فاضية ومحطوط فيها حتة سلسلة فالصو شبيهة بالقديمة! حماتي وشها أصفرّ، وركبتها ما شالتهاش وقعدت على السرير بتصوت بصوت مكتوم:




