
قعدت منى على الكنبة، ركبها مكنتش شايلاها، والنور اللي طالع من شاشة اللابتوب كان عاكس على وشها زي كشاف إضاءة في مسرح جريمة. يوسف كان واقف بعيد، حاطط إيده على خده اللي لسه معلم، وعينيه بتتحرك برعب بين أخته اللي ملامحها اتخشبت، وبين الأكل المندلق على الأرض.
“منى.. إنتي كويسة؟” صوت يوسف كان مخنوق، طالع بالعافية من صدمة القلم ومن شكل أخته اللي مكنش يبشر بخير.
منى مبردتش. إيدها كانت بتترعش وهي بتمسك الماوس. فتحت الشات، وبدأت تفلت صوابعها على الزرار عشان تجيب المحادثة من أولها. كل سطر كانت بتقراه كان بينزل على دماغها زي مطرقة حديد. الاسم اللي مبعوث منه الرسائل كان “نوجة”.. وبدأت الخيوط تتجمع في دماغها. نجلاء! صاحبة عمرها، البنت اللي كانت معاها في كل خطوة وهي بتفتح محل أدوات التجميل، البنت اللي كانت شريكتها في الأسرار ولما شريف خطب منى، نجلاء هي اللي زفتها بأعلى صوت في القاعة.
المحادثات مكنتش بتاعة انهارده ولا امبارح. المحادثات دي راجعة لسنتين فاتوا، من قبل الفرح بكام شهر.
شريف: “منى غبية، فاكرة إني دايب في هواها. أنا بس مستني المحل يشتغل أكتر والشقة تخلص توضيب باسمها عشان لما نتجوز، ميبقاش لسه ورايا مليم أدفع في إيجار أو جهاز. كله على الجاهز يا نوجة.”
نجلاء: “يا حبيبي أنا تعبت من الاستغماية دي. بقالنا تلات سنين مع بعض، وهتروح تتجوزها هي؟”
شريف: “صبرك عليا يا بت. منى معاها قرشين حلوين في البنك من ورث أبوها وشغل المحل. هسحبهم منها واحدة واحدة بحجة مشروع، وبعدين هخليها تمضي على وصلات أمانة أو تضمنني في قرض بضمان الشقة. البنك هيدينا 800 ألف جنيه كاش.. ده غير المحل اللي هنشف ريقه فيه. ساعتها هرميها وأتجوزك ونقعد أنا وإنتي في شقة المعادي اللي عينك عليها.”
منى حست إن الأوكسجين اتمسح من الأوضة. حطت إيدها على رقبتها وهي بتحاول تتنفس. كانت بتفتكر كل مرة شريف كان بيطلب منها فلوس ويقولها “إحنا واحد يا منى، والراجل ميعيبوش إنه يستلف من مراته عشان يكبروا سوا”. تفتكر لما كان بياخد بضاعة من المحل بالآلاف ويقول “دي لواحد صاحبي هيفتح فرع جديد وهيرد الفلوس بالشئ الفلاني”، وتطلع نجلاء هي اللي بتاخد البضاعة تبيعها لحسابها!
“منى.. ردي عليا يا خيتي، متخوفينيش عليكي.” يوسف قرب منها، نزل على ركبه وقعد قصادها.
منى بصت ليوسف. شافت في عينيه الطيبة والكسرة اللي حماتها سببهالوا. وفي اللحظة دي، الوجع والدموع اتحولوا لحاجة تانية خالص.. اتحولوا لغل أسود، لنار قايدة مفيش حاجة هطفيها غير لما تحرق شريف وأمه ونجلاء معاهم. شافت القلم اللي انضرب بيه أخوها الصغير كأنه انضرب على كرامتها هي، والـ 800 ألف جنيه اللي بيتكلموا عليها بقت هي الهدف الجديد.
سحت دموعها بكف إيدها بقسوة، ووشها اتدير ليوسف: “يوسف.. امسح دموعك. القلم اللي أخدته ده، تمنه هيكون غالي أوي.. غالي فوق ما تتخيل. قوم اغسل وشك، وساعدني نلم القرف ده من على الأرض.”
“بس يا منى وشريف..”
“شريف غار في داهية.. بس لسه حسابه مخلصش. اخلص يا يوسف، ورانا شغل كتير الليلة دي.”
منى مامتتش من الصدمة، بالعكس، دي فصّلت خطتها على نار هادية زي الساحر اللي بيحضر لعرضه الأخير. أول حاجة عملتها، جابت فلاشة ونقلت عليها كل المحادثات، كل الصور، كل العقود والملفات الممسوحة اللي قدرت ترجعها من على لابتوب شريف. شريف مكنش ذكي كفاية، كان سايب أرقام حسابات، وتواريخ، وحتى اتصالات مع موظف في البنك صاحبه بيسهل له إجراءات القرض بضمان الشقة بعد ما يزور إمضاء منى.
الساعة بقت تلاتة الفجر. منى قفلت اللابتوب، وحطته في الشنطة بنفس الطريقة اللي كان محطوط بيها عشان ميحسش بحاجة.
الصبح طلع. النور دخل من البلكونة وش السفرة اللي اتعدلت بس كانت فاضية ومن غير مفرش. يوسف كان نايم على الكنبة بتعب، ومنى كانت صاحية، عينها منمتش دقيقة واحدة، لابسة عبايتها السودا ومستنية الرنة.
الساعة تسعة الصبح، تليفونها رن. شريف.
منى فتحت الخط وسكتت، ملقطتش ولا كلمة.
شريف صوت جهوري وفيه نبرة الانتصار: “إيه يا هانم؟ فوقتي؟ عرفتي قيمتك ولا لسه؟ أمي ضغطها عليّ من امبارح بسبب قلة أدبك وطردتك لينا في نص الليل. أنا مستنيكي تتصلي وتعتذري، بس قولت أوجع قلبك وأوريكي إن الله حق.”
منى غيرت صوتها تماماً، خلت فيه نبرة عياط وخوف ممزوج بالندم المصطنع: “شريف.. أنا أسفة. أنا الشيطان عمى عيني امبارح لما شوفت يوسف بينضرب. أنا مكنش قصدي أطردك ولا أطرد الحجة.. الشقة شقتك والبيت بيتك يا شريف. أنا منمتش طول الليل والبيت يضرب يقلب من غيرك.”
شريف على الناحية التانية ابتسم ابتسامة خبيثة، بص لأمه اللي كانت قاعدة جمبه بتشرب شاي وغمز لها: “يعني عرفتي غلطك؟”
“عرفت يا شريف.. والنبي ارجع، ومتزعلش من يوسف، أنا مشيته الصبح ورجعته الصعيد في أول قطار عشان ميعملش مشاكل بينا تاني.” (منى كانت مخبية يوسف في الأوضة التانية ومفهمة الوضع).
شريف: “ماشي يا منى.. أنا هعدي عليكي على الضهر كده، بس بشرط.. أمي مش هتعتب بيتك غير لما تيجي تحت رجلها وتصالحيها، وتكتبي لي التنازل اللي اتكلمنا فيه عشان نعمل المشروع الجديد وأأمن لقمة عيشتنا.”
منى (بصوت مخنوق): “حاضر يا شريف.. اللي أنت عاوزه هيتنفذ، بس تعال ومتسبنيش لوحدي.”
قفلت الخط، والابتسامة المكسورة اختفت من وشها وحل مكانها برود مرعب. كلمت محاميها، الأستاذ رفعت، راجل واصل وذكي وبيتكلم بالقانون ومبيفوتش هفوة.
“أيوة يا أستاذ رفعت.. الورق جاهز؟”
رفعت: “كله تمام يا مدام منى. المحاضر جاهزة، والتوكيل اللي كنتي عاملاه لشريف بإدارة المحل أنا وقفته رسمي في الشهر العقاري من ساعة، يعني أي حركة هيعملها هتبقى تزوير رسمي وتبديد أمانة. بس إنتي متأكدة من خطوتك؟”
منى: “أنا عمري ما كنت متأكدة من حاجة في حياتي زي ما أنا متأكدة من دي يا أستاذ رفعت. شريف ونجلاء لازم يقعوا مع بعض.. وفي حفرة واحدة.”
على الساعة واحدة الضهر، الباب خبط. منى فتحت، دخل شريف ووشه فارد من الغرور، حاطط إيده في جيبه وبيبص حواليه كأنه ملك أعلن انتصاره على شعبه.
“أهو البيت هدي ونضف لما العيل الصعيدي ده غار من هنا” شريف قالها وهو بيقعد على الكنبة ويفرد رجله. “فين اللابتوب بتاعي؟”
منى جابت الشنطة وحطتها قدامه بهدوء: “أهو يا شريف.. ملمستوش. تشرب إيه؟”
شريف: “اعملي لي قهوة مظبوطة.. واقعدي عشان ورانا كلام كتير. صاحبي في البنك كلمني، وبيقول إن ورق القرض واقف بس على إمضائك كـ ضامن وشريك بالثلثين، والشقة هتبقى الرهن الأساسي. الـ 800 ألف جنيه دول هينقلونا نقلة تانية يا منى.”
منى وهي في المطبخ بتعمل القهوة، كانت ماسكة تليفونها وبتبعت رسالة لنجلاء من رقم غريب ميعرفوش غيرها: “شريف في الشقة دلوقتي ومعاه الشيكات والورق، وهيخلص كل حاجة ويمضي مراته على الرهن بخصوص الـ 800 ألف. لو مشيتي وراه، هياخدهم ويسافر مع أمه ويسيبك هنا لوحدك. هو قايل لأمه إنك مجرد كارت وهيترمي.”




