
أشار أيمن بوجل لباب الفيلا الخارجي، وفي اللحظة دي الباب اتفتح ودخل تلات لواءات وضباط من مباحث الأموال العامة ومعاهم قوة من الشرطة. ومعاهم كانت المحامية بتاعة أيمن، الأستاذة فريدة، وهي شايلة ملف أسود كبير.
نيرمين رجعت لورا وحاولت تجري ناحية المخرج، بس عسكري وقف في طريقها.
الظابط قرب من أيمن وقال: “كل حاجة تمام يا فندم؟”
أيمن هز راسه: “تمام يا سيادة العقيد.. التجيلات عندك، والتوكيل اللي كانت بتستخدمه أنا لغيته من أسبوع في الشهر العقاري من غير ما تعرف، وكل حركة عملتها مع المدعو مدحت متراقبة ومسجلة بالصوت والصورة.”
المحامية فريدة قربت من نيرمين وابتسمت بسخرية: “يا نيرمين هانم.. البلاغ مش بس محاولة سرقة ونصب.. البلاغ كمان فيه تعذيب أطفال قصر، وإساءة معاملة، وتهديد سلامة نفسية.. ده غير قضية الكسب غير المشروع اللي لسه هنفتحها بخصوص جمعيتك الخيرة.”
نيرمين بدأت تصرخ وتهلل وسط الضيوف: “أنت بتدمرني يا أيمن؟ هضيع مستقبلي؟ أنا نيرمين Montes! أنا عيلتي متسمحلكش!”
أيمن بص لها ببرود وقال: “عيلتك بريئة منك ومن قرفك.. خدوها من هنا.. الجنينة دي متدخلهاش حشرات تاني.”
الكل اتفرج ونيرمين بتتسحب من إيدها، والكلبشات الحديد في معصمها، والكل بيصورها، والابتسامة المرسومة على وشها اختفت وبقى مكانها دموع ذل وانكسار. المعازيم بدأوا ينسحبوا واحد ورا تاني وهم مش عارفين يودوا وشهم فين من أيمن، اللي وقف في نص الجنينة بكل هيبة، بس جواه كان مكسور على اللي ولاده عاشوه بسببه.
بعد ساعتين، الفيلا هديت تماماً. الشجر اللي كان شاهد على العذاب، كان دلوقتي بيهتز مع الهوا المنعش بتاع العصر.
أيمن دخل الفيلا، غير هدوم الجنايني، ولبس لبسه العادي. نزل الصالون لقى رضا قاعدة في الأرض بتلعب مع مروان وحبيبة بصلصال، والولاد ضحكتهم راجعة لوشهم من تاني، كأن الروح ردت فيهم.
أيمن وقف وبص لرضا وقال: “رضا.. أنا مش عارف أشكرك إزاي.. أنتِ عملتي اللي محدش من قرايبي عمله.. وقفتي في وشها عشان تحمي ولادي.”
رضا وقفت بسرعة وعدلت طرحتها بكسوف: “يا فندم الشكر لله.. أنا معملتش غير الواجب.. العيال دول ملائكة، ومريم الست الطيبة الله يرحمها كانت ديماً تقولي في أحلامي خلّي بالك من عيالي.. أنا مقدرتش أشوف القسوة دي وأسكت، حتى لو كان الثمن قطة عيشي.”
أيمن ابتسم وقال: “قطع عيشك؟ أنتِ من النهاردة مش شغالة هنا يا رضا.. أنتِ من النهاردة المسؤولة الأولى والأخيرة عن البيت ده وعن ولادي.. وبمرتب خمس أضعاف اللي كنتِ بتاخديه، وليكي جناح خاص بيكي وببنتك اللي في البلد تجيبها تعيش معاكي هنا وتتعلم في أحسن مدارس.”
رضا دموعها نزلت وسجدت في الأرض تشكر ربنا: “ربنا يخليك لينا يا بيه.. ربنا ينصرك زي ما نصرتني.”
حبيبة ومروان جريوا على أبوهم وحضنوه. أيمن قعد معاهم على الأرض، وبدأ يلعب معاهم ويسمع حكاويهم اللي انحرم منها حداشر يوم. كان حاسس إن الحمل انزاح من على كتافه، وإن بيته رجع له تاني.
مرت تلات أسابيع.. الحياة رجعت لمجراها الطبيعي في فيلا التجمع الخامس. نيرمين كانت محبوسة على ذمة التحقيق، والقضية بقت لبانة في بوق الصحافة والإعلام، والكل بيتكلم عن المليونير اللي اتمسكن لحد ما تمكن وكشف خطيبته النصابة.
وفي يوم من الأيام، أيمن كان قاعد في مكتبه بالليل بيراجع حسابات الفنادق الجديدة، والهدوء مغطي البيت. رضا دخلت عليه وهي شايلة صينية قهوة.
“القهوة بتاعتك يا فندم.”
“تسلم إيدك يا رضا.. الولاد ناموا؟”
“آه يا فندم، حبيبة نامت وهي ماسكة كتاب المدرسة، ومروان نام والدبدوب في حضنه.. ربنا يخليهم لك.”
أيمن أخد بق من القهوة وبص لرضا بتركيز: “رضا.. أنتِ بقالك تلات أسابيع هنا.. وتصرفاتك، هدوئك، وطريقتك في الكلام.. مش طريقة حد اشتغل في البيوت طول عمره.. المحامية بتاعتي لما عملت التحريات عشان تعيينك، لقت إن أوراقك كلها سليمة، بس أنا حاسس إن وراكي سر.. الست اللي تقف في وش نيرمين بالطريقة دي، وتتكلم بالثقة دي، مش مجرد شغالة جاية تدور على لقمة عيش.. أنتِ مين يا رضا؟”
رضا إيدها اتهزت، وصينية الخشب اللي في إيدها كانت هتقع. وشها اتقلب وبقى أبيض، وبصت للأرض وهي مش عارفة تنطق.
“أيمن بيه.. أنا..”
في اللحظة دي، تليفون أيمن الشخصي رن بصوت عالي. كان رقم غريب، بس الرقم ده كان دولي من إنجلترا.
أيمن استغرب، رفع الخط ورد: “ألو؟”
جاءه صوت راجل عجوز بس قوي، نبرته فيها وعيد: “أيمن الشرقاوي؟”
“أيوا.. مين معايا؟”
“أنا منصور السيوفي.. عم مريم، مراتك الله يرحمها.. اللي أنت قاطعتنا عنها من تمان سنين وفهمت الكل إننا موتنا.”
أيمن اتسمر في مكانه، وعينه راحت فوراً على رضا اللي كانت واقفة بتترعش ودموعها نازلة بصمت.
صوت الراجل على التليفون كمل ببرود يرعش: “أنا عارف إنك خلصت من نيرمين.. بس اللي أنت مش عارفه، إن الحية الكبيرة لسه جوه بيتك.. رضا اللي عندك في البيت دي مش شغالة.. رضا تبقى أخت نيرمين من الأب.. وهي اللي خططت لكل حاجة من الأول عشان تدخل بيتك وتنتقم لموت أختها التانية.. ودلوقتي، الدور عليك وعلى ولادك يا أيمن!”
أيمن نزّل التليفون من على ودنه ببطء شديد، والصدمة شلت حركته. بص لرضا اللي كانت واقفة تبص له بنظرة غامضة.. نظرة اختفت منها تماماً طيبة الشغالة الغلبانة، وظهرت فيها ابتسامات نيرمين.. الابتسامة اللي بتخبي وراها موت محقق!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




