روايات وقص

م مقيد باكذبها هدير نور

ظلت صدفة تركض خلف أحمد وهي تلهث من شدة الغضب، بينما كان الطفل يضحك ويجري بين الناس، إلى أن تعثر فجأة في حجر صغير وسقطت المصفاة من يده.

وقفت صدفة فوق رأسه وهي تضع يديها على خصرها، وقالت بغضب:

— هات المصفاة يا واد يا قليل الأدب قبل ما أفرغ فيك اللي جوايا!

رفع أحمد المصفاة بسرعة ومدها لها وهو يضحك:

— خلاص يا ست صدفة، أهو رجعتهالك.

خطفَتها منه وقالت:

— لو عملتها تاني هقول لأمك، وساعتها هي اللي هتربيك.

ضحك الطفل وهرب، بينما عادت صدفة إلى فرشتها وهي تتمتم بكلمات غاضبة.

لكنها لم تكن تعلم أن أحدًا كان يراقب المشهد من بعيد.

كان راجح.

وقف بجوار سيارته يتابعها في صمت، بعدما اضطر للمرور من الشارع لإنهاء بعض الأعمال. ورغم أنه لم يفهم لماذا توقف أصلًا لمراقبتها، إلا أن منظرها وهي تركض خلف الطفل جعل ابتسامة صغيرة تظهر على وجهه دون أن يشعر.

كانت مختلفة تمامًا عن الصورة التي رسمها في ذهنه عنها.

لم تكن تلك الفتاة الباهتة التي يراها دائمًا بملابسها الفضفاضة ووجهها المتجهم.

كان فيها شيء آخر.

شيء يجعله يريد أن يعرفها أكثر.

وفجأة رفعت صدفة رأسها، فوجدته أمامها.

اختفت ابتسامتها فورًا.

قالت بضيق:

— إيه؟!

أجابها ببرود:

— ولا حاجة.

— أمال واقف بتبصلي ليه؟

— كنت معدي.

— طب عدي.

رفع حاجبه وقال:

— هو الشارع بتاعك؟

ردت بسرعة:

— لا، بس أنا مش ناقصة نكد.

كادت أن تدير ظهرها، لكنه قال:

— إنتي دايمًا عصبية كده؟

التفتت إليه وقالت:

— وإنت دايمًا مستفز كده؟

سكت للحظة، ثم ابتسم رغما عنه.

— أهو لقينا حاجة متفقين عليها.

حدقت فيه باستغراب، ثم عادت إلى عملها دون رد.

أما راجح فظل واقفًا ثواني قبل أن يستدير ويغادر.

وفي طريقه للسيارة، قال لنفسه بضيق:

— أنا مالي بيها أصلًا؟

لكنه لم يجد إجابة.

في اليوم التالي، استيقظت صدفة قبل الفجر كعادتها، وارتدت عباءتها القديمة وأخفت شعرها تحت الحجاب، ثم خرجت من الغرفة بهدوء.

لكنها فوجئت بزوج والدتها متولي جالسًا في الصالة.

قال بصوت خشن:

— رايحة فين؟

— الشغل.

— استني.

توقفت مكانها.

مد يده وقال:

— هاتي الفلوس اللي معاكي.

تجمدت للحظة.

— فلوس إيه؟

ضرب يده على الطاولة:

— متلعبيش معايا يا صدفة. أنا عارف إنك بتقبضي كل يوم.

قالت بحزم:

— فلوسي دي بتعب فيها طول اليوم، وبصرف منها على البيت.

ضحك بسخرية:

— البيت؟! إنتي فاكرة إنك عايشة ببلاش؟

صمتت.

ثم أخرجت بعض المال من جيبها ومدته إليه، لكنه نظر إلى المبلغ وقال:

— دي كل الفلوس؟

— أيوه.

حدق بها طويلًا وكأنه لا يصدقها، ثم قال:

— لو عرفت إنك مخبية عني جنيه واحد، هتندمي.

خرجت صدفة من البيت وهي تحبس دموعها.

كانت تعرف أنها لا تستطيع الاستمرار هكذا.

لذلك بدأت تفكر بجدية في خطتها القديمة.

الشقة.

كانت تريد شراء شقة صغيرة باسمها، والابتعاد عن هذا البيت إلى الأبد.

ولهذا كانت تخبئ أموال الجمعية سرًا.

وصلت صدفة إلى فرشتها، لكنها فوجئت بأم محمد تنتظرها.

قالت لها:

— فين يا بنتي؟ أنا قلقت عليكي.

— حصل إيه؟

— الست أم عبير بعتتلك تقولك إن الدور بتاعك في الجمعية خلص.

اتسعت عينا صدفة:

— خلص؟!

— أيوه. الأربعة آلاف الباقيين جاهزين.

شعرت صدفة بفرحة كبيرة.

أخيرًا اقتربت من حلمها.

لكن الفرحة لم تستمر طويلًا.

فقد توقفت سيارة فاخرة أمام الفرشة.

ونزل منها راجح.

كان يحمل ملفًا بيده، وتبدو على وجهه علامات الجدية.

اقترب منها وقال:

— صدفة.

رفعت رأسها:

— نعم؟

— عايزك تيجي معايا.

ضحكت بسخرية:

— أروح فين؟

— الوكالة.

— ليه؟

تردد للحظة ثم قال:

— في موضوع مهم.

— أنا عندي شغل.

— هخلصهولك.

— وأنا مش هسيب شغلي.

نظر إليها طويلًا، ثم قال:

— الموضوع يخصك.

تغيرت ملامحها.

— يخصني أنا؟

أومأ.

— أيوه.

شعرت بالقلق.

— خير؟

اقترب خطوة وقال بهدوء:

— تعالي الأول.

ظلت تنظر إليه بحذر، ثم التفتت إلى أم محمد.

قالت أم محمد:

— روحي يا بنتي وشوفي عايز إيه، وأنا هخلي بالي من الفرشة.

ترددت صدفة، ثم قالت:

— ماشي.

ركبت معه السيارة، وهي لا تعرف أن تلك الرحلة ستكون بداية لتغير كل شيء في حياتها.

أما راجح، فظل صامتًا طوال الطريق.

كان يريد أن يخبرها بالحقيقة.

لكن كيف؟

كيف يقول لها إن والده يريد مقابلتها؟

وكيف يخبرها أن الحاج عابد طلب منه شيئًا لم يكن يتوقعه؟

شيئًا سيضع صدفة في قلب عائلة الراوي…

ويجعل راجح نفسه أمام أصعب اختيار في حياته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى