روايات وقص

د فريده قفلت القلم الروتو

الموظف اتنحنح وقال: “فعلاً الشيك دخل الحساب، لكن من ساعة بالظبط وصلنا إخطار رسمي من البنك المركزي ومن الشؤون القانونية لشركة السيوفي، يفيد بإن الشيك ده مزور وتم إيقاف الصرف والتحفظ على القيمة، وكمان فيه أمر ضبط وإحضار صادر بحضرتك وبكل اللي معاك بتهمة الاستيلاء على أموال الشركة بالتزوير.”

شريف نظارته الشمسية وقعت من على وشه: “أنت بتقول إيه يا جدع أنت؟ تزوير إيه؟ دي شركة مراتي!”

وفجأة، ظهر من ورا العواميد بتاعة الاستقبال تلات رجالة لابس بليزرات ومعاهم أمين شرطة بملابس مدنية، واحد منهم قرب من شريف وطلع كارنيه: “المقدم أحمد فوزي، مباحث الأموال العامة، حضرتك الأستاذ شريف رمزي؟”

شريف لعثم: “آه.. أنا.. فيه إيه؟”

الظابط قال ببرود: “حضرتك مطلوب القبض عليك بتهمة تزوير محررات رسمية وشيكات بنكية والاستيلاء على مبلغ 2 مليون جنيه من أموال شركة السيوفي للاستيراد والتصدير، ومعانا إذن من النيابة العامة بالقبض والتفتيش.”

شاهندة صرخت بصوت عالي: “قبض إيه وتزوير إيه؟ إحنا مسافرين حالا! شريف اتصرف!”

الحجة فادية جرت على الظابط وزعقت: “أنت مجنون ولا إيه؟ أنت عارف أنت بتكلم مين؟ ده شريف رمزي، ومراته فريدة السيوفي سيدة الأعمال، هي اللي عاطية له الفلوس دي، تلاقوها بس زعلانة عشان اتجوز عليها!”

الظابط بص لفادية وقال: “فريدة هانم السيوفي هي اللي مقدمة البلاغ بنفسها يا فندم، وهي اللي واقفة بره مستنياكم.”

بره باب الأوتيل، كانت واقفة عربية سودا مظللة، الباب اتفتح ونزلت منها فريدة السيوفي.

كانت لابسة بدلة رسمية بيضاء بالكامل، ونظارة شمسية سوداء، وخطواتها على الأرض كانت بتعكس ثبات وقوة.

شريف أول ما شافها، جري عليها: “فريدة! فريدة يا حبيبتي، إيه اللي بتعمليه ده؟ إحنا فضيحتنا بقت كبيرة في الأوتيل! كلمي الظابط ده خليه يمشي، أنا عارف إنك زعلانة عشان اتجوزت، بس فريدة ردي عليا!”

فريدة وقفت على بعد خطوتين منه، قلعت النظارة ببطء، وبصت في عينه بنظرة حاسمة.

“شرع الله يا شريف؟ شرع الله بيقول إنك تسرق فلوس مراتك وتزور إمضتها عشان تعمل فرح لست تانية في الجونة؟ شرع الله بيقول إنك تعيش ثمان سنين بتاكل وتشرب وتلبس وتركب من تعب الليالي، وفي الآخر تروح تقول كلام مش كويس عني؟”

شاهندة قربت وهي بتنهج وقالت: “أنتِ بتنتقمي منه عشان أنا موجودة؟ الفلوس دي حق شريف، هو شريكك في كل حاجة!”

فريدة بصت لشاهندة بابتسامة باردة جداً: “شريكي؟ شريكي في إيه؟ في تزوير الشيكات؟ شريف مملكش طوبة واحدة في البلد دي، شريف كان مجرد موظف علاقات عامة في شركتي بياخد مرتب، والفيلا اللي عايشين فيها في الزمالك دي فيلتي، والعربية دي إيجار تمويلي باسم شركتي، والهدوم اللي في الشنط دي مدفوعة بكروتي اللي اتلغت.”

التفتت للظابط وقالت بثقة: “يا فندم، كل الأوراق الثبوتية والتقارير الفنية للخطوط اللي بتثبت التزوير مع المستشار مدحت في النيابة دلوقتي، اتفضلوا اعملوا شغلكم.”

فادية جرت على فريدة وحاولت تمسك هدومها وهي بتعيط: “بلاش السجن يا فريدة! ابني هيضيع! خدي الفلوس، خدي الشقة، خدي كل حاجة بس بلاش السجن!”

فريدة شالت إيد فادية وقالتلها بلهجة حاسمة: “مش أنتِ اللي قولتلي في التليفون كلام عن الأيام؟ أهو اللي حصل حصل.. وبالمناسبة يا فادية هانم، تذكرة التأمين الطبي بتاعتك اتلغت، والعملية اللي كنتِ هتعمليها في عينك الأسبوع الجاي في المستشفى الدولي.. روحي اعمليها بالطريقة المناسبة.”

شريف انهار تماماً وبدأ يعيط والكلبشات بتتقفل في إيده قدام كل نزلاء الأوتيل وأصحابه اللي كانوا بيصوروا الموقف بالموبايلات.

الظابط خد شريف وشاهندة وفادية، وفريدة كانت واقفة بتتفرج عليهم وهم بيتمشوا للخارج.

بعد مرور أسبوعين.

فريدة كانت قاعدة في مكتبها في الزمالك، الفيلا رجعت لها بالكامل بعد ما طردت منها أخت شريف، والشركات رجعت تشتغل بأعلى كفاءة، والصفقة الكبيرة اللي مَضتها ليلتها بقت حديث السوق العقاري كله.

مدحت دخل عليها وهو مبتسم وبيتكتك بالملفات: “مبروك يا فريدة هانم، المحكمة رفضت إخلاء سبيل شريف رمزي وجددت حبسه 15 يوم على ذمة التحقيق، والتقرير المبدئي للطب الشرعي أثبت التزوير بنسبة 100%، شاهندة كمان جالها أمر استدعاء كشريكة في التزوير لإنها هي اللي استلمت الشيكات ومضت على وصولات الاستلام في الأوتيل.”

فريدة خدت رشفة من قهوتها السخنة وقالت: “وشاهندة؟”

“شاهندة سابت شريف يا فندم! أصلها لما عرفت إنه معندوش مليم وكل ثروته كانت وهم، وأنه مهدد بالسجن، راحت النيابة واعترفت عليه وقالت إنه هو اللي ضحك عليها وفهمها إن الفلوس دي حق شرعي ليه من أرباح الشركة، البنت باعت جوزها في أول محطة عشان تنفد بجلدها.”

فريدة ضحكت بقوة: “سبحان الله، الست اللي كانت بتدعي الطيبة باعت الراجل في أول مشكلة! ما علينا، قفل الملف ده يا مدحت وخلي القضية تاخد مجراها الطبيعي، أنا مش هتنازل عن مليم واحد، ولا عن يوم واحد سجن لشريف.”

مدحت لم ورقه وقام: “تأمريني بحاجة تانية يا فندم؟”

“لأ يا مدحت، روح أنت ارتاح.”

فريدة قعدت لوحدها في المكتب، حست براحة نفسية، وكأن جبل كان كاتم على نفسها وانزاح، بصت لصورة قديمة ليها هي وشريف على الرف، قامت وخدت الصورة ورمتها في سلة المهملات بدون أي تردد.

الموبايل بتاعها رن، كان رقم غريب.

ردت ببرود: “ألو؟”

جالها صوت راجل، صوته جهوري، هادي، وفيه نبرة غموض: “فريدة هانم السيوفي؟”

“أيوه، مين معايا؟”

الراجل ضحك ضحكة خفيفة وقال: “أنا اسمي سليم الهواري.. صاحب مجموعة الهواري للمقاولات اللي شريف رمزي كان بيحاول يبيع لها أرض حزام الأخضر الأسبوع اللي فات بموجب تفويض مزور باسمك.”

فريدة اتمسمرت في مكانها، وعينها وسعت: “أرض الحزام الأخضر؟ الأرض دي مش للبيع أصلاً، ودي أرض ملك العيلة من خمسين سنة!”

سليم الهواري قال بنبرة مليانة تحدي وتشويق: “عارف يا فريدة هانم، وعشان كده أنا مَضيت مع شريف عقد ابتدائي ودفعته عربون 10 مليون جنيه كاش، والفلوس دي شريف هربها بره مصر لحساب مجهول قبل ما يتم القبض عليه بيوم واحد.. شريف مكنش بيسرقك عشان يعمل فرح في الجونة بس.. شريف كان بيجهز لعملية هروب كبرى بره البلد، والـ 10 مليون دول بتوعي أنا، وأنا مش هسيب حقي.. ودلوقتي، بما إن شريف مسجون والتفويض طلع مزور، فالقانون بيقول إن الأرض دي بقت محجوز عليها لصالحي لحد ما ترجعي لي الـ 10 مليون جنيه.. أو.. نتفق اتفاق تاني خالص.”

فريدة حست إن الأرض بتلف بيها، شريف كان عامل شبكة أكبر بكتير مما تتخيل، ومورطها مع حيتان السوق في قضية جديدة!

فريدة قبضت إيدها على الموبايل وقالت بعصبية مكتومة: “اتفاق إيه يا أستاذ سليم؟”

سليم رد بصوت هادي ومستفز: “نتقابل بكره الصبح في مكتبي.. وهتعرفي إن اللعبة اللي أنتِ فاكرة إنك كسبتيها.. لسه مابقتش حتى في شوطها الأول.. مستنيكي يا فريدة هانم.”

الخط قطع.. وفريدة فضلت باصة للموبايل في ذهول، وهي حاسة إن المرحلة الجديدة لسه هتبدأ حالا.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى