روايات وقص

د الايام بعد الوقعه

عدت الأيام اللي بعد الواقعة دي وزي ما تكون مريم عايشة في كابوس هي صاحية فيه بكامل إرادتها. طارق كان بيمارس حياته الطبيعية بمنتهى البرود، يرجع من شغله الساعة ستة، يحضنها، يبوس إيدها، ويسألها عن يومها في بوب أريش،

ويعمل نفسه الأب الحنون اللي بيقعد يذاكر لسليم ويرسم معاه. كل حركة منه كانت بالنسبة لمريم عبارة عن مشهد مسرحي متقن، وكل كلمة حنية كانت زي نغزة إبرة في قلبها. بس مريم مكانتش بتعيط. دموعها جفت من اللحظة اللي شافت فيها السلسلة على رقبة البنت إياها. التحول اللي حصل جواها كان مرعب؛ الست الرقيقة الدايبة في حب جوزها اتحولت في ظرف 24 ساعة لضابط تحريات بارد المشاعر، معندوش هدف في الحياة غير إنه يفك الشفرة.

بعد يومين بالضبط، وصل أوردر الكاميرات. أربع كاميرات في حجم زرار القميص، بيشتغلوا بشريحة نت وكارت ميموري وبيبعتوا بث مباشر على أبلكيشن خفي نزلتُه على مويلها. مريم استغلت يوم طارق كان فيه في مشوار تبديل زيت العربية، وزعت الكاميرات بمهارة جراح: واحدة استخبت جوة

 

فواحة العطر الإلكترونية اللي على التسريحة وموجهة للسرير والدرج، الثانية جوة النجفة المودرن اللي في الصالة، الثالثة اتزرعت في مكتب طارق الخاص بين الكتب الحسابية والقواميس القديمة، والرابعة حطتها في المطبخ فوق التلاجة بحيث تكشف الممر كله.

يوم الخميس، مريم أعلنت طوارئ وهمية في البيت. قالت لطارق وهي بتلبس بالطو المستشفى الصبح: “طارق، أنا عندي نبطشية ثقيلة النهاردة في أبولريش، دكتور التخدير اعتذر وهشيل مكانه، غالباً مش هعرف أرجع غير بكرة الجمعة على الساعة 12 الضهر.”

طارق بص لها بنظرة فيها لمحة اهتمام مزيف وقوم مسك إيدها: “ربنا يقويكي يا حبيبتي.. خلي بالك من نفسك، وأنا هقعد مع سليم نطلب أكل من برة ونقضيها سهرة رجالة.”

مريم ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت له: “سليم عند ماما، أنا وديته هناك وأنا نازلة عشان تتفرغ لشغلك ومتبقاش مقيد بيه.”

لمحت في عينيه لمعة خطيرة، لمعة ارتياح حاول يداريها بسرعة وهو بيبوس رأسها ويقول: “كده تمام أوي.. أهو أعرف أخلص الميزانية اللي في إيدي.”

طلعت مريم من الشقة، بس مخرجتش من العمارة. نزلت تأجّرت عربية متفيمة وقفت بيها في أول الشارع البعيد عن عيون العمارة، وقعدت في الكرسي الوراني، طلعت موبايلها، فتحت الابلكيشن، وحطت السماعات في أذنها. كانت الساعة 10 الصبح.

الساعة جابت 11:30. شاشة الموبايل نورت.

الكاميرا اللي في الصالة لقطت حركة. طارق كان واقف قدام المراية، بيلبس قميص أسود شيك، بيرش من نفس البرفان، وبيظبط شعره. وبعد خمس دقائق بالضبط، جرس الباب رن.

طارق فتح الباب، ودخلت نفس البنت. نفس الطول، نفس الشعر الأصفر اللامع، وبنفس الدريس الأخضر الشيك، وعلى رقبتها كانت السلسلة الزفير بتلمع تحت إضاءة اللوبي. البنت أول ما دخلت رمت شنطتها على الكنبة، وارتتمت في حضن طارق بلهفة.

مريم وهي قاعدة في العربية كانت حاسة إن أكسجين الكون كله اتسحب من حواليها. صوابعها اتصلبت على الموبايل، وعينيها متثبتة على الشاشة.

البنت قالت بصوت دلوع وصل واضح جداً عبر المايك المدمج: “تأخرت عليك يا طروقة؟”

طارق ضحك وهو بيمسكها من وسطها: “تتأخري براحتك يا نور.. البيت فضي خلاص. مريم في النبطشية ومش راجعة غير بكرة، والولد عند أمه.”

نور بدلع: “أحسن برضه.. أنا زهقت من المقابلات الخطفي دي. السلسلة دي تحفة يا طارق، صحباتي كلهم اتجننوا عليها في النادي.”

طارق باس خدها وقال ببرود مرعب: “قلت لك أصلية ومخصوصة.. مريم أصلاً عمرها ما قدرتها، كانت شايلاها في العلبة زي التحف القديمة. القطع دي اتعملت عشان تتدلع على رقبتك إنتي.”

الكلام كان زي السكاكين بتتقطع بيها روح مريم. بس اللي جمد دمها في عروقها مش الكلام العاطفي ولا الخيانة. اللي حصل بعد كده هو اللي قلب الكابوس لدرجة ثانية خالص من الرعب.

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى