
الصدمة جمدت ا في عروقنا كلنا. أمي كانت لسه إيدها ممدودة في الهوا، وجسمها بيرعش من اللمسة اللي اترفضت، وأبويا قاطع كلامه وباصص لنور بذهول كأنه شايف عفريت مش بنته اللي بكى عليها عشر سنين. الصمت اللي ساد الصالة كان أتقل من الجبل، مافيش غير صوت نفسها العالي والمكتوم، وعينيها اللي كانت بتلمع بغضب وجع مش مفهوم.
أمي اتكلمت بصوت مكسور، طالع بالكاتم من وسط دموعها:
“بتقولي إيه يا نور؟ أنتِ بتزقي أمك يا بنتي؟ ده أنا كنت بيموت في اليوم مية مرة وأنا بفكر فيكي.. ده أنا كنت بروح المقابر أحضن التراب وأقول يا رب خدني وجيبها!”
نور مسحت وشها بإيدها بغضب، وجسمها كله كان بيتراعد، بصت لأمي ولأبويا وعينيها فيها مزيج غريب من الكره والشفقة:
“وهو ده اللي أنا بتكلم عنه! النكد.. الذنب.. الحمولة الثقيلة اللي كنتم ديماً تحطوها على كتفي! أنتم عمركم ما حبيتوني زي ما حبيتوا مريم، أنتم كنتم شايفيني النسخة الباهتة، البنت المتمردة اللي مش عاجبها العجب، والنهارده لما رجعت، أول حاجة عملتيها إنك تحسسيني بقد إيه أنا جانية وأنتم الضحايا!”
أنا ما قدرتش أمسك نفسي، قربت منها وصوتي كان طالع وزي الصخر:
“أنتِ بتجري مجنونة ولا إيه؟ أنتِ بترميهم بالتهم دي بعد ما سبتيهم عشر سنين يبكوا على حتة من قلبهم؟ كبرتي في بنها وعايشة حياتك بتسقي ورد وتضحكي في الصور، وجاية دلوقتي تفتحي صدرك وتعيشي دور الضحية؟”
نور ضحكت ضحكة مكسورة ومريرة، وقعدت على أقرب كرسي كأن حيلها اتهد:
“اقعدي يا مريم.. اقعدوا كلكم، طالما فتحتم الباب ده يبقىزم تسمعوا للنهاية، عشان تعرفوا إن حادثة العربية ما كانتش مجرد قضاء وقدر.. الحادثة دي كانت كارت الخروج الوحيد اللي أنتم اديتوهولي من غير ما تقصدوا.”
أبويا مسك صدره واقعد على الكنبة بصعوبة، ووشه اصفرّ، أمي راحت قعدت جنبه وهي مش قادرة تشيل عينيها من على نور، كأنها خايفة تفرمش فـ تختفي تاني.
نور بدأت تتكلم، وصوتها كان هادي بطريقة ترعب:
“أنا لما فقت في المستشفى بعد الحادثة بشهرين، كنت حتة لحمة حمرا، لا فاكرة اسمي ولا فاكرة أنا مين، الذاكرة راحت تماماً بسب النزيف والحادثة البشعة، الناس اللي أنقذوني كانوا عرب عربان عايشين على أطراف الصحرا قريب من طريق بنها، خدوني عندهم وعالجوني بأعشاب وودوني مستشفى عام هناك باسم مجهول.. عشت سنتين كاملين وأنا فاكرة إن اسمي ‘أمل’، عيشة بسيطة، مافيش فيها أي ضغط، مافيش فيها مقارنات، مافيش فيها ‘شوف مريم شاطرة إزاي’، ‘شوف مريم دخلت صيدلة وأنتِ يا فاشلة دخلتي تجارة بالعافية’.”




