
بصتلي وعينيها كانت بتلمع بمرارة:
“افتكرتك الأولى يا مريم.. افتكرت وشك في حلم، فقت وأنا بصرخ باسمك، وبعدها بأسابيع الذاكرة بدأت ترجع زي الشريط اللي بيتفك بالبطء، افتكرت أمي.. افتكرت أبويا.. وافتكرت الليلة اللي خرجت فيها بالعربية.”
أمي قربت منها بصوت مرعوب:
“ليلة الحادثة؟ مالها ليلة الحادثة يا نور؟ أنتِ طلعتي متضايقة عشان اختلفنا على مصاريف الكلية..”
“لا يا أمي!” نور زعقت وهي بتقوم تقف تاني:
“أنا ما طلعتش عشان مصاريف الكلية! أنا طلعت لأنكم كنتم جوزتوني بالسر، كنتم مرتبين لي عريس من قرايبنا في الصعيد عشان تخلصوا من مشاكلي! كنتم شايفيني العبء اللي لازم يترمى، وليلتها لما رفضت، بابا ضربني بالقلم وقال لي إن ماليش كلمة في البيت ده!”
أبويا غمض عينيه بوجع حقيقي، ودمعة نزلت على خده، اتكلم بصوت مهزوز:
“أنا كنت عاوز أحميكي يا بنتي.. أنتِ كنتِ ماشية في طريق ضياع.. كنتِ بتعرفي ناس مش تمام وكنتِ هضيعي نفسك وهتضيعي اختك معاكي!”
نور صرخت:
“فـ كنتم عاوزين تخلصوا مني! ليلتها أنا أخدت العربية وأنا بعيط ومش شايفه قدامي من المطرة، كنت بطير على الطريق السريع، وكنت بتمنى ألمس أي شجرة عشان أخلص، ولما العربية اتقلبت ونزلت في الترعة ولعت، أنا اترشقت من الشباك قبل ما تخبط في المية، صحيت أعمى وأطرش ومش فاكرة حاجة.. ولما الذاكرة رجعتلي بعد أربع سنين، وافتكرت كل القسوة دي.. افتكرت القلم، وافتكرت المقارنات، وافتكرت إنكم كنتم شايفيني بلا قيمة.. سألت نفسي: أرجع ليه؟”
أنفاس الصالة كلها كانت مكتومة، أنا كنت واقفة ومش مصدقة اللي بسمعه، كنت فاكرة إننا عيلة مثالية، إن الحزن اللي عشنا فيه عشر سنين كان بسبب فقدان بنت بريئة، ما كنتش اعرف إن فيه جروح مستخبية تحت السجاد بتموت.
نور كملت وهي بتمسح دموعها بكسرة:
“سألت نفسي: أرجع عشان أكون ‘نور الفاشلة’ تاني؟ عشان تعيدوا ترتيب حياتي؟ عشان أعيش في ظل مريم العبقرية؟ أنا في بنها بنيت حياة جديدة، سميت نفسي ‘نور’ برضه بس لقب تاني، اشتغلت في مشتل، اتعلمت أحب الزرع لأن الزرع بيطلع ويكبر من غير ما يقارن نفسه باللي جنبه! عشت ست سنين في هدوء.. لحد ما الدكاترة بتوع الأسنان ادوني بنج شديد عشان ضرسي، وتحت تأثير البنج، العقل الباطن خانني.. وطلبت رقم مريم اللي كان محفور في مخي زي الوشم.”
أمي قامت من مكانها، ومشت بخطوات تقيلة لحد ما وقفت قدام نور، رفعت إيدها الرعاشة ولمست وش نور، المرة دي نور ما بعدتش، بس كانت جماد، زي التمثال.
أمي قالت بصوت يقطع القلب:
“حقك عليا يا بنتي.. حقك علي رقبتي.. أنا وأبوكي أجرمنا في حقك لما جوزناكي غصب وعاملناكي بقسوة، بس والله العظيم ما كنا نعرف إننا بنقتلك.. احنا كنا فاكرين إننا بنحميكي من نفسك.. عشر سنين يا نور! عشر سنين وأنا بلبس أسود، عشر سنين وأنا مش بدوق طعم الأكل، عشر سنين وبدعي ربنا ياخدني عشان أجيلك.. تحرمينا منك كل ده عشان لحظة غضب؟”
نور بصت لأمي، ولأول مرة شفت الشك والضعف في عينيها:
“مش لحظة غضب يا ماما.. ده كان خيار بين إن أعيش ميتة عندكم، أو أعيش حية بعيد عنكم.”
أنا جيت وقفت بينهم، ومسكت نور من كتفها بقوة:
“وأنا يا نور؟ أنا ذنبي إيه؟ أنا اللي قضيت عشر سنين حاسة إن نصي التاني مقطوع؟ أنا اللي كنت بشتري لبسي وأقعد أعيط في المحل عشان مش عارفة أجيبلك معايا؟ أنا اللي كنت بدخل كل مكان وأدور على وشك في الناس؟ أنتِ أنانية يا نور! هربتي وعشتي حياتك وسبتينا إحنا ندفع التمن!”
نور بصلتي ودموعها نازلة بغزارة:
“أنتِ بالذات يا مريم.. كنت خايفة أرجعلك.. كنت خايفة أرجع أهد الحياة اللي أنتِ بنيتيها.. كنت خايفة أرجع وألاقيكي بقيتي بتكرهيني زي ما أنا كنت بغير منك.”
الصمت رجع تاني، بس المرة دي كان صمت مليان انكسار، مش غضب.
أبويا قام بالعافية، وقرب من نور، وطبس على إيدها وباسها:
“سامحيني يا بنتي.. أنا اللي ضربتك.. وأنا اللي قسيت عليكي.. لو عاوزة تفضلي هنا في بنها وما تشوفينتِش تاني، أنا موافق.. بس سيبيني بس أعرف إنك بخير، سيبيني ألمس إيدك كل كام شهر، ما تحرمينتِش من الصوت ده تاني.”
نور انهارت، وقعت على الركبتين في الأرض، وأمي وأبويا نزلوا معاه على الأرض، وحضنوها، الحضن اللي اتأخر عشر سنين كاملين.. كنت واقفة بصالهم، وقلبي مقسوم نصين، نص طاير من الفرحة إن أختي التوأم عايشة وبتمشي وبنتنفس نفس الهوا، ونص تاني مجروح من حجم الكذب والهروب والجحود اللي عاشت فيه.
عدى الوقت، وقعدنا كلنا في الصالة، الشمس كانت بدأت تغرب وتعمل خيوط برتقالي على حيطان الشقة. نور جابت شاي، وجلسنا نتكلم في التفاصيل.. إزاي غيرت بطاقتها، وإزاي عاشت، وإيه اللي حصل في السنين اللي فاتت. كانت الأجواء بدأت تهدى، وكأن الجرح الكبير اتفتح واتطهر، وبدأنا نتقبل الفكرة.. إن نور عايشة، وإننا هنبدأ من جديد.
أبويا قال وهو بيتمسح بدموعه:
“خلاص يا بنتي.. بكرة الصبح هنروح نعدل الأوراق الرسمية، ونرجعك لعصمتنا وشرفنا، ونلغي شهادة الوفاة المزيفة دي.. أنتِ بنتنا ونور عينينا.”
نور ابتسمت ابتسامة خفيفة، هادية، وقالت:
“إن شاء الله يا بابا.. المهم إنكم فهمتم، وإن الكابوس ده انتهى.”
استأذنت نور تدير الصالة وتدخل المطبخ تعملنا أكل، أمي قامت معاها تساعدها، وأنا قعدت جنب أبويا أطمن عليه وأدي له دواه.
بعد نص ساعة، أمي خرجت من المطبخ وهي بتضحك، وبتقول:
“نور نسيت تحط الملح في الأكل، زي زمان بالضبط.. البنت دي عمرها ما هتتغير.”
ضحكنا كلنا.. فرحة دافية دخلت قلوبنا لأول مرة من عشر سنين.
بس الفرحة دي ما طولتش غير ثواني.
الهاتف الأرضي بتاع الشقة رن.
نور كانت جوة في المطبخ، فـ أنا قمت أرد عشان أريحها.
رفعت السماعة وقُلت: “أيوة؟”
صوت راجل غريب، خشن، ومتوتر جاني من الناحية التانية، صوت طالع منه نفس سريع وكأنه بيجري:
“أيوة يا نور.. اسمعيني كويس وما تقاطعيش! الرجالة بتوع ‘الشيخ عمران’ عرفوا إنك في بنها، وعرفوا إن أهلك عندك في الشقة دلوقتي! البضاعة اللي أنتِ أخدتيها وشفرة الخزنة اللي اختفيتي بيها من ست سنين معاكي في بنها لازم تترد الليلة.. لو ما سلمتيش الهارد ديسك خلال نص ساعة، الشقة باللي فيها هتتحرق بالبنزين، ومش هتلحقي تهربي المرة دي زي ما هربتي في حادثة الطريق الدولي من عشر سنين!”
السماعة اتفصلت.
أنا وقفت مكاني، الدم اتجمد في عروقي، السماعة وقعت من إيدي على الأرض.
بصيت ناحية المطبخ.. نور كانت واقفة في الممر، ماسكة السكينة في إيدها، وابتسامتها الدافية كانت اختفت تماماً.. وحل مكانها وش تاني خالص، وش ملامحه باردة زي التلج، وعينيها بتلمع بتهديد يرعب.
قالتلي بصوت واطي ومشبهش صوت أختي خالص:
“رديتي ليه يا مريم؟.. أنا قيلالك إن السكوت كان أرحم للكل.”




