
أمي همست
عايدة ماتت من عشرين سنة
قلت
يبقى سيف راح فين؟
المدير بصلي وقال
قبل ما تموت كانت بتقول إن الولد كبر وبقى راجل ناجح
وإنه عمره ما عرف الحقيقة
قلت
يعني سيف عايش؟
قال
أيوه
وأنا أعرف مكانه
خرجنا من الدار واتجهنا لعنوان صغير في منطقة سيدي بشر
وقفت قدام باب شقة قديمة
قلبي كان بيدق بطريقة عمري ما حسيتها
خبطت
الباب اتفتح
وظهر راجل في أوائل التلاتينات
بصلي
وسكت
أنا كمان ما قدرتش أتكلم
كان شبه أبويا
وشبه أمي
وشبهى
أمي كانت واقفة ورايا
وأول ما شافته قالت
سيف
الراجل اتجمد مكانه
وبعدين عينيه اتمليت دموع
وقال
ماما؟
وقعت أمي على الأرض وهي بتعيط
وأنا فضلت واقف مش قادر أتحرك
سيف قرب مني وقال
إنت كريم؟
هزيت راسي
قال
أخويا؟
حضنته
وأول مرة في حياتي حسيت إن فيه جزء ناقص جوايا رجع مكانه
لكن الحكاية ما انتهتش هنا
بعد ما دخلنا الشقة سيف طلع صندوق قديم
وقال
عمتي عايدة قبل ما تموت سابتلي الصندوق ده وقالتلي ما أفتحهش غير لما كريم يوصل
فتحناه
جواه كان فيه صور وأوراق وتسجيلات
وأول تسجيل كان بصوت أبويا
قال فيه إن عمي محمود هو اللي خان العيلة بالفعل
وإنه كان عايز يوصل لثروة أبويا بأي طريقة
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر ورقة
كان مكتوب فيها إن أبويا كتب كل ممتلكاته بأسماء أولاده الأربعة
أيوه
أربعة
بصيت لأمي
قلت
أربعة؟
سيف قال
أنا عرفت عن يوسف
لكن الرابع محدش يعرف مكانه
حسام دخل علينا في اللحظة دي وهو ماسك ملف
وقال
أنا عرفت مين الابن الرابع
فتح الملف
وكان فيه شهادة ميلاد قديمة
اسم الأب فؤاد الشاذلي
واسم الأم…
أمي
بصيتلها
وشها اتغير
قلت
إنتي كنتي حامل في أربعة؟
هزت راسها وهي بتعيط
وقالت
كنت حامل في توأم
سيف وكريم
لكن بعد الولادة الدكتور قاللي إن واحد منهم مات
أنا كنت فاكرة إنك إنت اللي مات
وأبوك خد سيف
اتضح إن أبويا فصلنا عن بعض
وخلى كل واحد فينا يعتقد إن التاني مات
لكن لسه كان فيه سر أخطر
حسام قلب آخر ورقة وقال
الابن الرابع مش ابن فؤاد من أم تانية
ده ابن فؤاد وأم كريم وسيف
أخوكم الأصغر اتولد بعدكم بسنتين
والاسم موجود
آدم
بصيت لسيف
وقلت
يعني عندنا أخ رابع؟
سيف هز راسه
بس حسام كان بيبص للورقة بصدمة
قلت
في إيه؟
قال
فيه حاجة مش منطقية
آدم اتسجل إنه مات وهو عنده ست سنين
قلت
وأنا مش مصدق
تاني واحد يموت على الورق؟
حسام هز راسه وقال
لأ
المرة دي فيه حاجة مختلفة
لأن شهادة وفاة آدم اتعملت بعد اختفائه بعشر سنين
يعني حد كان عايز يمحي أثره
وفجأة تليفوني رن
رقم غريب
رديت
محدش اتكلم
بس سمعت نفس صوت أبويا في تسجيل قديم
وقال
لو وصلتوا لآدم يبقى خلاص عرفتوا الحقيقة كلها
لكن الحقيقة الأخيرة هتكون أصعب حاجة عليكم
وبعدين سمعت صوت راجل تاني
قال
كريم؟
قلت
أيوه
قال
أنا آدم
سكت
وبعدين قال
أنا أخوك
لكن قبل ما أقدر أسأله فين أو إزاي عرف رقمي
قال جملة خلتني أحس إن الحكاية لسه بدأت من جديد
أنا مش لوحدي
أنا عايش مع الشخص اللي كان السبب في اختفائنا كلنا
وقفل الخط
قفلت المكالمة وأنا حاسس إن قلبي هيقف من اللي سمعته
بصيت لسيف وأمي ويوسف وقلت
آدم عايش
سيف قرب مني وقال
قالك فين؟
قلت
قال إنه عايش مع الشخص اللي كان السبب في اختفائنا كلنا
حسام بص للملف اللي قدامه وقال
يبقى لازم نعرف الشخص ده مين
في اللحظة دي دخلت رسالة على موبايلي
كان فيها عنوان بيت قديم في القاهرة
وتحت العنوان جملة واحدة
“تعالى لوحدك”
لكن المرة دي ما روحتش لوحدي
بلغنا الشرطة بكل الأوراق والتسجيلات اللي لقيناها وروحنا كلنا للعنوان
أول ما الباب اتفتح ظهر قدامنا عمي محمود
لكن المرة دي ما كانش قادر يتكلم
وراه كان واقف راجل أصغر منه
أول ما أمي شافته صرخت
آدم!
الراجل جري عليها وحضنها
وأمي فضلت تبكي وهي بتلمس وشه كأنها خايفة يكون حلم
أنا قربت منه
قلت
إنت فعلا أخويا؟
ابتسم وقال
وأخيرا رجعت لعيلتي
اتضح إن محمود بعد ما خان أبويا حاول يمحي كل آثارنا عشان يوصل للثروة كلها
سيف أخده من دار الرعاية وهو صغير وخلاه يعيش باسم مختلف
أما آدم فكان آخر واحد قدر يوصله ليه
لكن آدم كبر وبدأ يشك في الحقيقة ولما عرف إنه من عيلة الشاذلي جمع الأدلة كلها وخبّاها لحد ما قدر يوصل لنا
حسام قدم كل المستندات للشرطة
ومحمود اتقبض عليه واعترف بكل حاجة
اعترف إنه زور شهادات الوفاة وغيّر أسماء وسجلات عشان يفضل مسيطر على جزء من ممتلكات أبويا
وبعد شهور طويلة خلصت القضية
رجعت أمي تعيش معانا
وسيف وآدم بقوا جزء من حياتي لأول مرة
وفي يوم جمعتهم كلهم في البيت
وقفت قدام صورة أبويا القديمة
وبعدين شلتها من على الحيطة
أمي بصتلي وقالت
هتحط صورة مين مكانها؟
ابتسمت وقلت
ولا حد
المكان ده هيبقى لأول صورة لينا كلنا
وبعد كام أسبوع اتصورنا إحنا الأربعة وأمي في نفس المكان
صورة واحدة عوضت تلاتين سنة من الغياب
أما نجلاء
الست اللي بسببها بدأت الحكاية كلها
رجعتها للشغل واعتذرتلها قدامها
وقلت لها
إنتي ما كنتيش بتسرقي القهوة يا نجلاء
إنتي كنتي بتشتري لحد محتاجها
وضحكت
ومن يومها بقى عندنا قاعدة في البيت
أي حد محتاج حاجة ياخدها من غير ما يخاف
لأن الفلوس ممكن تشتري بيت وفندق وشركات
لكن عمرها ما تقدر تشتري أم ضاعت من ابنها تلاتين سنة
وفي آخر ليلة قعدت جنب أمي وسألتها
إنتي زعلانة من أبويا؟
سكتت شوية وقالت
أنا زعلانة على السنين اللي ضاعت
لكن خلاص يا ابني
المهم إننا رجعنا لبعض
بصيت لسيف وآدم ويوسف وهم بيتكلموا ويضحكوا في الصالة
ولأول مرة في حياتي فهمت إن أغلى حاجة ورثتها عن أبويا ما كانتش فلوسه ولا شركاته
كانت الحقيقة
الحقيقة اللي رجعتلي أمي
ورجعتلي إخواتي
ورجعتلي جزء من عمري كنت فاكره مات للأبد
ومن يومها ما بقيتش كريم الشاذلي ابن رجل الأعمال الكبير
بقيت كريم
ابن أمه
وأخو سيف وآدم ويوسف
وأخيرا
بقيت عايش في بيت فيه صور لأهلي
مش صور لأشخاص ماتوا في الحكايات
لكن صور لأشخاص رجعوا للحياة من جديد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




