روايات وقص

د نبضات قلبي

جسمي اتجمد في مكانة ونبضات قلبي بقت سريعة ومرعبة لدرجة إني كنت حاسة إن سواق التاكسي سامعها. الشوارع برا كانت بتجري من حوالينا، أنوار المحلات، زحمة الإشارات، ووشوش الناس الرايقة اللي بتضحك في الشارع، كل حاجة برة كانت طبيعية إلا دنيتي أنا وبنتي اللي اتهدت فوق دماغنا في دقيقة.

بصيت لحبيبة اللي كانت قاعدة جنبي، ملامحها البريئة اللي واخدة نصها مني ونصها من شريف، مكنتش ملامح طفلة عندها ست سنين أبداً، عينيها كانت دبلانة وفيها نظرة غامضة ونضج غريب ومخيف، النظرة دي خلت شعر جهازي يقف.

“حبيبة.. قوليلي يا حبيبتي، أنتِ عاقبتِ بابا إزاي؟” سألتها وصوتي كان بيترعش لدرجة إنه طلع مبحوح ومكتوم.

حبيبة مبصتليش، فضلت باصة برة الشباك على العربيات اللي بتعدي، وضمت دبدوبها لبطنها أكتر، وقالت بنبرة هادية لدرجة تقشعر البدن: “خلاص يا ماما، بابا مش هيقدر يخلي خالتي ريهام تلبس لبسك تاني، ولا هيخليها تنام على سريرك.. أنا أخدت الحاجة اللي بتخليه يضحك معاها.”

الحاجة اللي بتخليه يضحك معاها؟ عقلي راح لمليون اتجاه. تليفونه؟ فلوسه؟ ولا حاجة تانية أكبر؟

مسكت كتفها الصغير براحة وحاولت أكون هادية على قد ما أقدر عشان ما تخافش مني: “حبيبة، بصيلي يا روحي.. أنتِ معاكِ إيه في الشنطة؟ أو في الدبدوب؟”

البنت لفت وشها ليا، وعينيها دمعت فجأة، وقالت: “بابا كان بيسيب تليفونه القديم الصغير في درج المكتب في الإسكندرية يا ماما، وأنا شفته كذا مرة وهو بيكلم خالتي ريهام منه بالليل لما تكوني نايمة.. وكان بيقول لها كلام مش حلو، ولما نزل القاهرة، نسى التليفون ده في الشاحن ورا الكومودينو.. أنا أخدته وحطيته جوه بطن الدبدوب، وكمان أخدت الورقة الصغيرة اللي مكتوب فيها الأرقام السرية بتاعة حساباته اللي كان بيخبيها تحت الفرش.. بس مش ده العقاب يا ماما.. العقاب التاني أنا عملته في الشقة فوق قبل ما ننزل.”

سواق التاكسي بصلي في المراية، ملامحه كان باين عليها الفضول والدهشة من كلام البنت الصغير، وأنا حسيت إن الهوا بيتسحب من الرئة عندي. “عقاب إيه تاني يا حبيبة؟”

البنت قربت من ودني وهمست: “أنا شوفت كوباية المية اللي بابا بيشرب منها دايماً قبل ما ينام، الكوباية الزرقا اللي بيحبها.. حطيت له فيها القزاز الصغير اللي كان في علبة دواء خالتو ريهام القديمة، الدواء اللي خالتي قالت إنه بيموت لو حد أخد منه كتير.. أنا فضيت القزازة كلها في الكوباية ودوبتها، وهو شربها كلها قبل ما ينام، ولما دخلنا كان نايم ومش راضي يصحى خالص.. هو مش هيصحى تاني يا ماما صح؟ عشان يفضل معاكِ أنتِ بس وما يروحش عند خالتي؟”

الدنيا لفت بيا، وحسيت إن الأرض بتميل. علبة دواء ريهام القديمة؟ ريهام كانت بتتعالج من فترة من مرض نفسي وكان معاها مهدئات قوية جداً وممنوع تتاخد بجرعات زيادة لأنها بتسبب توقف في عضلة القلب. حبيبة حطت الجرعة كلها في المية! شريف مكنش نايم طبيعي.. شريف كان بيموت وأنا واقفة بصور!

“أسطى! اقف هنا عندك بسرعة!” صرخت في سواق التاكسي وأنا بنهج.

السواق اتخض وفرمل فجأة لدرجة إننا اتنطرنا لقدام: “في إيه يا مدام؟! جرى إيه؟”

“لف وارجع تاني.. ارجع نفس المكان اللي ركبنا منه، بسرعة أرجوك جوزي بيموت!”

السواق مكدبش خبر، كسر الإشارة ولف في وسط الزحمة ورجع بسرعة جنونية، وأنا قاعدة ورا، دموعي اللي كانت بتنزل من القهر والوجع، اتحولت لدموع رعب وخوف.. خوف من المصير، وخوف من بنتي.. الطفلة اللي المفروض بتلعب بالعرائس، حلت مشاكل الكبار بطريقتها المرعبة.. طريقة هتدمرنا كلنا.

مسكت حبيبة من دراعاتها، وكنت بوزع نظراتي بين الشارع وبينها: “ليه يا حبيبة؟ ليه عملتِ كده؟!”

البنت بدأت تعيط بهستيريا: “عشان هوเสีย زعلِك! أنا شفتك الأسبوع اللي فات قاعدة في المطبخ بتعيطي بالليل وهو بيكلمها! أنا بكرهه وبكره خالتي ريهام! هي مش خالتو.. هي واحدة وحشة!”

حاولت أهدي نفسي وأفكر.. شريف لو جرى له حاجة، بنتي هتروح في داهية، وأنا هتشحن معاها، وريهام هتاخد كل حاجة.. لا، ريهام مش لازم تعرف، مفيش حد لازم يعرف إن حبيبة ليها علاقة بالموضوع.

التاكسي وصل قدام العمارة في المهندسين بعد ما حسينا إن الوقت ده كان سنة كاملة. فتحت الباب وطلبت من السواق يستناني، وأخدت حبيبة في إيدي وطلعت السلم جري، السلم اللي كنت نازلة منه من شوية وأنا مكسورة، طالعاه دلوقتي وأنا مرعوبة من الموت اللي مستنينا فوق.

وصلت باب الشقة، لقيت الباب مفتوح على آخره، وصوت صريخ ريهام جايب لآخر الشارع.

دخلت الأوضة وأنا بنهج، لقيت ريهام قاعدة على الأرض بتلطم على وشها وشريف مرمي على السرير، وشه كان شاحب كأنه قطنة بيضا، وشفايفه بدأت تزرق، وكان بيطلع صوت حشرجة مرعبة من صدره.

“هبة! هبة الحقيني!” ريهام صرخت أول ما شافتني، وجريت عليا وهي بتمسك في عبايتي: “شريف مش راضي يصحى! شريف بيموت! مش عارفة ماله، فجأة لقيته بيتنفض وصدره وقف!”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى