روايات وقص

د نبضات قلبي

جريت على شريف، حطيت إيدي على نبضه.. كان ضعيف جداً وبيموت فعلاً. لمحت الكوباية الزرقا على الكومودينو، كانت فاضية تماماً وفي قعرها بقايا بودرة بيضا ممسوحة. وفي ثانية، عيني جت على الأرض، لقيت أمبول الدواء الفاضي مرمي تحت السرير.. أمبول مكتوب عليه اسم ريهام!

في اللحظة دي، وسط الرعب والدموع، عقلي اشتغل زي الكمبيوتر. الصدمة الخيانة خفت وظهرت غريزة البقاء.. غريزة الأم اللي لازم تحمي بنتها وتدمر اللي دمروا حياتها.

التليفون الصغير اللي مع حبيبة في الدبدوب فيه الدليل على علاقتهم، والأرقام السرية بتاعة حساباته معايا، وأمبول الدواء اللي شريف مسموم بيه.. مكتوب عليه اسم ريهام! يعني ريهام هي المتهمة الأولى والأخيرة في نظر القانون! ريهام اللي كانت عايشة معاه في الشقة ومفيش أي إثبات إني جيت هنا غير الصورة اللي على موبايلي.. والصورة دي أنا ممكن أمسحها في ثانية.

“أنتِ عملتِ فيه إيه يا ريهام؟” سألتها بصوت جهوري مليان اتهام، وأنا بقف وببص لها بكل حسم.

ريهام اتصعقت، وبدأت تترعش: “أنا؟ أنا معملتش حاجة! والله العظيم ما عملت حاجة! هو شرب مية ونام!”

“الدواء بتاعك فين؟ علبة المهدئات بتاعتك فين يا ريهام؟” زعقت فيها وأنا بتقرب منها زي الفهد اللي هيصطاد فريسته.

ريهام حطت إيدها على بوقها وبصت للأرض، ولمحت الأمبول الفاضي تحت السرير: “مش.. مش عارفة.. مش ده بتاعي.. أنا مجبتوش هنا!”

“بتاعك! واسمك مكتوب عليه! أنتِ جيتِ وراه القاهرة عشان تخلصي منه لما رفض يتجوزك صح؟ أنتِ اللي ستميتيه!” كل كلمة كنت بقولها كانت بتنزل على ريهام زي المطرقة، البنت انهارتماما وبقت مش قادرة تقف على رجليها.

في الوقت ده، شريف طلع صوت حشرجة طويلة، وجسمه اتشنج بالكامل وبعدين سكن تماماً.. النبض وقف.

شريف مات.

ريهام صرخت صرخة مكتومة وصوتها انقطع من الرعب. بصلتلي وهي بتبكي وبتترجاني: “هبة.. أرجوكِ صدقيني، أنا آه غلطت معاكِ، وآه خنتك، بس والنعمة ما موته! أنا بحبه! أرجوكِ ما تودينيش في داهية!”

بصيت لشريف.. الراجل اللي عشت معاه عشر سنين، الراجل اللي كنت فاكرة إني مأمنة حياتي معاه، مات بسبب خيانته، وبسبب طفلة حست إن أمان أمها بيتهد. مكنش عندي وقت أزعل عليه، الوجع اتحول لطاقة غضب رهيبة.

التفت لحبيبة اللي كانت واقفة عند الباب، باصة للجثة بكل برود، كأنها بتتفرج على فيلم كارتون. شاورت لها تطلع برة الأوضة، وطلعت فعلاً وسندت على الحيطة برا.

قربت من ريهام، وبقيت وشي في وشها، وقلت لها بنبرة فحيح الأفاعي: “أنتِ اللي موتيه يا ريهام.. البصمات اللي على الكوباية دي هتبقى بصماتك أنتِ وشريف بس.. والأمبول ده مكتوب عليه اسمك ودكتورك.. أنا جيت هنا عشان أعمله مفاجأة، لقيتك مخلصا عليه.. أنا هاخد بنتي وأمشي، وأنتِ ورزقك بقى مع المباحث.. شوفي مين هيصدق إن أختك اللي جاية من الإسكندرية هي اللي حطت له السم في شقتك!”

“لا يا هبة! أرجوكِ ما تسيبينيش! هبة!” ريهام كانت بتزحف على الأرض وبتمسك في رجلي، بس أنا نفضت رجلي منها بكل قسوة، القسوة اللي هي علمتها لي لما نامت في سرير جوزي.

أخدت تليفوني، ومسحت الصورة اللي صورتها ليهم وهم نايمين عشان ميبقاش في أي دليل على وجودي في الوقت ده. وبصيت في الأوضة بسرعة عشان أتأكد إن مفيش أي حاجة تخصني أو تخص بنتي سيبناها هنا.

خرجت من الأوضة، وأخدت حبيبة في حضني، ونزلنا السلم بسرعة والتاكسي كان مستنينا تحت.

“اطلع بينا على محطة مصر يا أسطى.. بسرعة” قلت للسواق وأنا بركب وقفل الباب.

طول الطريق لمحطة القطار، مكنتش بتكلم، مكنتش بعيط، كنت بفكر في الخطوة الجاية. شريف ساب وراه ثروة مش قليلة، حسابات في البنوك وعقارات، وشغل كله باسمه، ومعايا الأرقام السرية اللي حبيبة جابتها. ريهام هتدخل السجن بتهمة القتل العمد، وبكده أكون خلصت من الاتنين اللي خانوني في ضربة واحدة.

لكن وسط كل الترتيبات دي اللي كانت بتدور في عقلي، كان في حاجة واحدة بتنهش في قلبي من الجوة.. بنتي. حبيبة اللي قاعدة جنبي وبتبتسم وبتلعب في شعر الدبدوب بتاعها.

وصلنا المحطة، حجزت تذكرتين لقطر الإسكندرية، وركبنا وقعدنا في الكراسي. القطر بدأ يتحرك، والهوا الساقع بدأ يخبط في وشنا من الشباك.

حبيبة نامت على رجلي، وأنا بدأت أفتح شنطتها براحة عشان أطلع الدبدوب وأشوف التليفون الصغير اللي قالت عليه. فتحت السوستة الصغيرة اللي في ضهر الدبدوب، وطلعت التليفون الصغير.. وفعلاً كان تليفون شريف القديم.

فتحت التليفون، وبدأت أشوف الرسائل المحفوظة والمكالمات.. كلها كانت بين شريف وريهام، كلام مقرف وخيانة واضحة بقالها أكتر من سنة. لكن وأنا بقلب في قائمة الفيديوهات، لقيت فيديو متسجل من حوالي أسبوع، الفيديو كان متصور في بيتنا في الإسكندرية.

فتحت الفيديو وأنا أيدي بتترعش..

الكاميرا كانت محطوطة في زاوية مخفية في الصالة، شريف وريهام مكنوش في الفيديو.. اللي كان في الفيديو هي حبيبة!

حبيبة كانت قاعدة على الأرض، وماسكة التليفون ده وبتسجل لنفسها وهي بتتكلم مع حد.. لا، مكنتش بتتكلم مع حد، كانت بتتكلم للكاميرا، وبتوجه كلامها ليا أنا!

في الفيديو، حبيبة كانت باصة للكاميرا بعيون جامدة وقالت: “ماما.. أنا عارفة إنك لما تشوفي الفيديو ده، بابا مش هيكون موجود.. أنا عملت كل حاجة عشانك يا ماما.. أنا اللي اتصلت بخالتي ريهام من تليفون بابا وخليتها تيجي الشقة في القاهرة وعرفت ميعاد سفرنا عشان نلاقيهم سوا.. وأنا اللي أخدت الدواء بتاعها من وراها عشان أقول إنها هي اللي موتته.. أنا عملت كل ده عشان أنتِ دايماً بتقوليلي إن بابا وريهام هم كل حياتك.. وأنا عايزة أكون أنا بس اللي كل حياتك.. بس خلي بالك يا ماما.. لو زعلتيني في يوم من الأيام، أو فكرتِ تجيبيلنا بابا جديد.. أنا لسه فاكرة مكان علبة الدواء التانية اللي أنتِ بتشربيها كل يوم الصبح..”

الفيديو خلص.. والشاشة اسودت.

التليفون وقع من إيدي على أرضية القطر، وأنا ببص لوش بنتي النايمة على رجلي ببرائة الأطفال.. حسيت إن الدم اتجمد في عروقي تماماً، والرعب اللي عشته في شقة المهندسين مكنش غير نقطة في بحر الرعب اللي نايم في حضني دلوقتي.. وأنا مش عارفة، القطر ده واخدنا على فين؟ وتفتكروا.. ريهام هتعترف عليا؟ ولا بنتي هتقرر تعاقبني أنا كمان؟

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى