
“مرك معايا يا سليم.”
“أنا عايز فريدة وحاتم ده ينزلوا مصر تحت رجلي. القضايا تتفتح النهاردة. قضية تزوير في أوراق رسمية، قضية النصب، وقضية رد نسب يونس.”
طارق هز راسه: “كل ده هيتعمل يا سليم.. بس بالنسبة ليونس؟ الولد دلوقتي قانوناً مكتوب باسمك، والورقة دي بتقول إنه مش ابنك. هتعمل إيه؟”
سليم التفت ببطء. عينيه كانت حمرة وزي الجمر: “الولد ده يرجع لأمه.. مش عايزه في بيتي.”
طريقة قوله للجملة كانت ميتة، لكن جوة سليم، كان في حرب طاحنة. هو بيحب الولد، بس كل ما بيشوف وش يونس دلوقتي، بيشوف الخيانة، بيشوف فريدة وهي بتضحك وتسخر منه على التليفون، بيشوف حاتم وهو بياخد فلوسه.
بعد يومين، في مكتب طارق المحامي.
فريدة كانت قاعدة، وشها شاحب، الميك أب اختفى وحل محله السواد تحت عينيها. محاميها كان قاعد جنبها متوتر بيقلب في المستندات. سليم كان قاعد قصادها، لابس بدلة سوداء كاملة، حاطط رجل على رجل، وبيشرب قهوته ببرود تام.
طارق رمى ورقة الـ DNA على الترابيزة قدامهم.
“تقرير رسمى معتمد من المعامل المركزية. يونس مش ابن سليم العطار.” طارق قالها بصرامة. “إحنا رفعنا قضية إنكار نسب، وقضية نصب وتزوير أوراق رسمية عشان تسجيل الطفل باسم موكلي. ده غير التقرير المالي اللي بيثبت إنك حولتِ أكثر من 5 مليون جنيه لحساب حاتم النجار في آخر 8 شهور.”
محامي فريدة بلع ريقه وبص لفريدة: “الكلام ده صحيح يا مدام؟”
فريدة انهارت، البكاء المزيف أتحول لبكاء هستيري حقيقي لما حسيت إن السجن بيلوح في الأفق: “سليم! ارجوك! حاتم هو اللي هددني! هو اللي غصب عليا أعمل كده! هو قال لي لو مجمعتش فلوس هيقتلني! سليم أنت بتحب يونس، يونس ملوش ذنب!”
سليم حط فنجان القهوة على الطبق بتكة خفيفة. بص لفريدة بعينين خالية من أي رحمة.
“يونس ملوش ذنب صح.. بس أنتِ ذنبك لا يغتفر. والفلوس اللي سرقتيها، بالقانون هترجع لأخر مليم، وأنتِ وحاتم صاحبك هتقضوا أحلى أيام حياتكم في السجن.”
فريدة صرخت: “طب ويونس؟ هترميه؟ أنت أمه وأبوه السنة اللي فاتت كلها!”
سليم وقف، زرار جاكيت البدلة، وقال كلمتين نزلت زي الساطور: “أنا ماليش أولاد يا فريدة. أنتِ اللي رميتيه يوم ما استخدمتيه طعم في لعبتك.”
سليم ساب الأوضة وخرج، وصوت صريخ فريدة مالئ المكان وراه.
عدت ثلاث أسابيع.
القضايا مشيت بسرعة الصاروخ بفضل نفوذ سليم العطار وطاقم المحامين بتوعه. حاتم اتقبض عليه في شقة مفروشة في الإسكندرية ومعاه مبالغ مالية كبيرة، وفريدة صدر ضدها حكم بالحبس الاحتياطي على ذمة قضية التزوير والنصب.
لكن الفيلا في التجمع الخامس كانت فاضية.. فاضية بشكل يخنق.
سليم كان بيمشي في الصالة، كل ركن فيها يفكر بـ يونس. العضاضة اللي تحت الكنبة، المشاية اللي في الطابق الثاني، ألعابه اللي متطورة في كل حته. أم أحمد كانت لسة موجودة بناءً على طلب سليم عشان تهتم بالبيت، بس كانت بتعيط كل ما تشوف سليم قاعد لوحده في الضلمة.
سليم حاول يرجع لشغله، يمر على المواقع، يوقع العقود، بس عقله كان غايب. كان يرجع بالليل، ويقعد قدام أوضة الأطفال، يفتح الباب ويشوف السرير الفاضي.
إنكار النسب تم رسمياً، والولد أتحول لدور الرعاية التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي بناءً على قرار النيابة لحد ما تنتهي قضية أمه، لأن حاتم رفض يعترف بيه هو كمان وخاف يلبس مصاريفه أو قضية جديدة.
في ليلة ممطرة، سليم كان قاعد في مكتبه، بيشرب، والهدوء بيأكل في دماغه.
تليفونه رن. كانت أم أحمد.
“أيوة يا أم أحمد؟”
“أستاذ سليم.. أنا أسفة إني بتصل بالليل كده، بس أنا مش قادرة أسكت أكتر من كده.”
“في إيه؟”
“أنا روحت زرت يونس النهاردة في دار الرعاية اللي هو فيها.. الولد مابيرضعش يا أستاذ سليم. مسخّن ومابينامش، وعمال يعيط وينادي بصوته الصغير كأنه بيدور عليك. الولد بيموت من الحزن.. الولد ملوش ذنب في القذارة اللي عملتها أمه!”
سليم قفل التليفون بسرعة من غير ما يرد.
مسك الكأس ورماه في الحيطة اتكسر لمليون حتة. “مش ابني!” صرخ ب أعلى صوته في الفيلا الفاضية. “مش ابني! مش من دمي!”
فضل يلهث وهو باصص للزجاج المكسور على الأرض. لكن مع كل دقة قلب، كانت بتيجي صورة يونس وهو بيمسك صباعه الصغير بكل قوته، صورة يونس وهو بيضحك له لما يرجع من السفر، صورة الولد وهو ملوش أي إرادة في إنه يتولد للدنيا دي أو يكون أمه واحدة زي فريدة.
سليم جاب مفاتيح عربيته، وخرج في وسط المطر والليل المظلم.
سليم وصل دار الرعاية الساعة 2 بعد منتصف الليل. استخدم نفوذه وفلوسه عشان يخلي مدير الدار يفتح له الأبواب في الوقت ده.
مدير الدار مشي معاه في الممرات الهادية لحد ما وصلوا لأوضة الأطفال الرضع.
“أستاذ سليم، الولد فعلاً حالته النفسية متدهورة جداً من يوم ما جه. الرافض للأكل تماماً ودرجة حرارته مرتفعة.”
سليم فتح الباب ودخل. الأوضة كانت دافية، وفي السرير الصغير الخشب، كان يونس ملفوف ببطانية زرقاء، بينتحب بصوت واطي ومتقطع، شفايفه الناشفة بتت حرك بكلمات مش مفهومة.
سليم قرب من السرير ببطء. رجليه كانت تقيلة كأنها متسلسلة بشرس.
نزل على ركبتيه قدام السرير، وبص لوش يونس الشاحب.
أول ما سليم مد إيده ولمس خد الولد، يونس فتح عينيه الصغيرين ببطء. أول ما شاف وش سليم، العياط وقف فجأة. الدموع فضلت محبوسة في عينيه، ومد إيديه الاثنين الصغيرين ناحية سليم وهو بيطلع صوت خفيف: “بابا..”
الكلمة دي كانت الشبيحة اللي كسرت السد الأخير جوة سليم.
سليم شال يونس وحضنه بقوة لدرجة إنه كان خايف يطبقه. حط راسه في رقبة الولد وبكى.. بكى لأول مرة من يوم الأزمة، دموع قاسية ومريرة نزلت بللت هدوم الطفل.
“أنا هنا يا حبيبي.. أنا هنا. سامحني.. سامحني يا يونس.”
الولد مسك في قميص سليم بإيديه الاثنين ودفن وشه في صدره، كأنه كان مستني اللحظة دي عشان يطمن وينام. وفي ثواني، أنفاس يونس المنتظمة بدأت تطلع، ونام في أحضان الراجل اللي اختاره يكون أبوه.
سليم بص للمدير اللي كان واقف عند الباب وعينيه مدمعة.
“أستاذ سليم.. القانون هنا..”
سليم قطعه بنبرة حجرية، بس المرة دي كانت ماليانة حب وإصرار مش قسوة: “القانون يتعمل له اللي هو عايزه. أنا هتبناه، هتكفله، هغير أوراقه، هعمل أي حاجة في الدنيا.. بس الولد ده مش هيقعد هنا دقيقة واحدة ثانية. الولد ده ابني.. مش بالدم، بالقلب.”
بعد ستة أشهر.
أم أحمد كانت قاعدة على الكرسي بتبتسم وهي بتتفرج على يونس، اللي بقى عنده سنة ونص دلوقتي، بيمشي بخطوات تقيلة ومهزوزة على العشب الأخضر، وبيجري ورا كورة حمراء صغيرة.
سليم كان قاعد على الترابيزة، قدامه أوراق عمل وتابلت، ببدلة سبور أنيقة. شكله كان مرتاح، والغمامة اللي كانت على وشه اختفت.
فريدة وحاتم صدر ضدهم أحكام بالسجن المشدد في قضايا النصب والتزوير، والقصة اتطوت تماماً بالنسبة لسليم. القضية الوحيدة اللي كانت تهمه هي قضية الكفالة والتبني القانوني ليونس، اللي خلصها بجهود طارق وأصبحت رسمية. يونس بقى رسمياً ابن سليم العطار، برغبة سليم الكاملة وبحماية القانون.
يونس وقع على الأرض وهو بيجري، وقام بص لسليم وهو بيضحك، وجري ناحيته بإيديه المفتوحة: “بابا! بابا!”
سليم ساب الأوراق من إيده، ووطى على الأرض وفتح دراعاته، وأخد يونس في حضنه ورفعه في الهواء وهو بيضحك معاها.
في اللحظة دي، تليفون سليم الرصين رن. رقم غريب ومش مسجل.
سليم نزل يونس، ورد على التليفون وهو بيطبطب على ظهر الولد: “ألو؟”
صوت ست جاف وغريب جاء من الناحية الثانية، صوت مش غريب تماماً، بس فيه نبرة حديدية توجع البطن:
“أهلاً سليم بيه.. مبروك عليك دور الأب المثالي اللي بتلعبه مع يونس.”
سليم اتسمر مكانة، وعينيه أديقت: “مين معايا؟”
الست ضحكت ضحكة باردة عبر التليفون، ضحكة خلت دم سليم يتجمد في عروقه:
“أنا أخت حاتم النجار.. والحقيقة، فريدة ضحكت عليك وعلينا كلنا يا سليم. التقرير اللي معاك عن الـ DNA؟ فريدة كانت دافعة للدكتور هشام فلوس عشان يغير النتيجة لـ 0% عشان حاتم ما يلبسش الولد لما كل حاجة اتكشفت!.. يونس ابنك فعلاً يا سليم.. ابنك من دمك ونسبك.. والأوراق الحقيقية للتحليل الأولاني معايا أنا دلوقتي، وتساوي ملايين.”




