
المصورين بدأوا يلقطوا صور للشاشات الملغية، والناس بتتزاحم على الأبواب. فريدة نزلت من أسانسير الخدمات وهي متغطية بشال أسود، بتجري ناحية عربيتها والهستيريا ماسكاها، بتهرب من نظرات الشماتة والتساؤلات اللي بدأت تلاحقها.
في الوقت ده، كان سليم في عربية الجيب السوداء بتاعته، قاعد في الكنبة اللي ورا، يونس في حضنه وأم أحمد جنبه. السواق كان سايق على مهله بطلب من سليم، متجهين لفيلا التجمع الخامس. الطريق كان هادي، بس عقله كان عامل زي المحرقة.
سليم مكنش بيتألم بس عشان الخيانة، هو كان مرعوب من الحقيقة اللي مستنياه. الشك ده سوسة بتأكل في العظم. هل يونس ده ابنه؟ الشبه بينه وبين الولد كان أوقات بيشوفه واضح، وأوقات ثانية يقول يمكن بيتهيألي عشان بحبه؟ الأيام اللي قضاها بيسهر جنبه لما يرتفع حرارته، العضاضة اللي كان بيشتريها بنفسه، السرير الخشب اللي كان بيركبه بإيديه في أوضة الأطفال.. كل ده كان حقيقي ولا مسرحية؟
أول ما وصل الفيلا، سليم نزل ومسك تليفونه اتصل بطبيب تحاليل معمل معروف جداً وصاحب نفوذ في المجال الطبي.
“دكتور هشام.. أنا سليم العطار. محتاجك في الفيلا عندي حالا. بمعمل سحب عينات كامل.”
دكتور هشام استغرب من النبرة: “يا سليم بيه، الساعة 10 بالليل، والنهاردة المفروض فرحك!”
“الفرح اتلغى. وأنا محتاج تحليل DNA مستعجل.. في أسرع وقت ممكن. بفلوسك يا هشام، بس عايزه في ظروف سرية تامة ومحدش يعلم بيه غيرنا.”
ساعة واحدة وكانت عربية المعمل القادمة بطلب خاص واصلة الفيلا. الدكتور دخل، سليم كان قاعد في الصالون الكبير، لابس قميص أبيض مفتوح من غير كرافتة، وشكله مجهد كأنه أكل ضرب سنة كامة.
دكتور هشام سحب العينة من سليم، وبعدين اتجه لأوضة يونس. سليم مشي وراه، وبص للولد وهو نايم. لما الإبرة لمست جلد الطفل الصغير وبدأ يعيط، سليم حس كأن الإبرة بتغرس في قلبه هو. أخد الولد في حضنه وهداه، ودكتور هشام لم العينات وهو ساكت، فاهم من نظرات سليم إن أي كلمة زيادة ملهاش لازمة.
“النتيجة هتاخد قد إيه يا هشام؟”
“العادي بياخد يومين يا سليم بيه.. بس عشان خاطرك، هتكون عندك بكره بليل، على أقصى تقدير الساعة 11.”
“شكراً. مستنيك.”
الأربعة وعشرين ساعة اللي بعد كده كانت أطول من أربعين سنة.
سليم ما نامش ولا دقيقة. قفل تليفونه الشخصي، وساب تليفون العمل لطارق يرد على المكالمات اللي مابتخلصش من الصحفيين ورجال الأعمال. الإشاعات كانت مالية السوق: “سليم العطار فلس”، “سليم العطار اكتشف إن مراته جاسوسة لشركة منافسة”، “سليم العطار اتقبض عليه”. سليم مكنش فارق معاه أي حاجة من دول، كل اللي فارق معاه كان ورقة واحدة هتحدد مصير بقية حياته.
في الوقت ده، طارق كان بيشتغل على خط ثاني. بدأ ينبش في أوراق فريدة ومكالماتها السابقة. اكتشف إن فريدة قبل ما تتعرف على سليم بسنتين، كانت متجوزة من واحد اسمه “حاتم النجار”، مديون ومسجل خطر في قضايا أموال عامة ونصب. فريدة اتطلقت منه صوري عشان تقدر تتعرف على سليم، وكانت بتنقل لـ حاتم ده معلومات عن صفقات سليم، غير المبالغ اللي كانت بتسحبها من الحسابات اللي سليم فتحها لها.
الساعة جاب 10:30 بالليل في اليوم التالي.
سليم قاعد في مكتبه بالفيلا، الإضاءة خافتة، وصوت عقارب الساعة عامل زي صوت المطرقة على السندان.
الباب خبط، وطارق دخل ومعاه دكتور هشام.
دكتور هشام كان ماسك ظرف أبيض مقفول بالشمع الأحمر. وشه مكنش بيبيّن أي حاجة، مهنية طبية جافة تزود التوتر أضعاف.
“سليم بيه.. النتيجة جاهزة.” دكتور هشام حط الظرف على المكتب.
سليم بص للظرف. إيديه اللي بتبني أبراج خرسانية ومابتهتزش قدام أعتى صفقات الملايين، كانت بترتعش وهو بيمدها للورقة.مسك فتحة الظرف، وقطعه ببطء.
طلع الورقة البيضاء، وعينيه جرت فوراً على السطر الأخير.. السطر اللي فيه نسبة التوافق الجيني.
النسبة كانت: 0%.
“احتمالية الأبوة: صفر في المائة. لا يوجد أي توافق جيني بين العينة (أ) والعينة (ب).”
سليم فضلت عينيه بصة على الرقم. صفر. كلمتين مالهمش أي معنى غير إن كل لحظة أبودة عاشها السنة اللي فاتت كانت كذبة. كل ضحكة، كل دمعة، كل خطوة، كانت ملعوبة عليه.
سليم حط الورقة على المكتب ببطء شديد. مابكاش. ولا صرخ. ولا كسر حاجة. الوجع كان أكبر من إنه يعبر عنه بأي صوت.
طارق بص للورقة، وغمض عينيه بأسى: “سليم.. أنا أسف. والله أسف.”
سليم قام وقف، وقرب من الشباك الكبير اللي بيطل على جنينة الفيلا. كان الجو ضبابي والهدوء قاتل.




