
على النقيض التقت عيناهما؛ كانت عيناه كالبحر الهادئ قبل العاصفة، وعيناها كشرارة نار لا تنطفئ. شعر ياسين لأول مرة أن “حصنه” المالي اهتز أمام اندفاعها الإنساني.
ياسين (بصوت خفيض): “انتهى الوقت. التقييم هيوصلك بكرا”
ليلى استقامت وهي تلملم لوحاتها ببرود: “مش محتاجة التقييم عشان أعرف إني صح. بس أتمنى النهاردة وإنت راجع بيتك، تبص في المراية وتسأل نفسك: إنت عايش.. ولا مجرد بتتحرك حسب الجدول؟”
خرجت ليلى وتركت خلفها رائحة عطر ممزوج بالألوان، ورجلاً لأول مرة في حياته، ينسى أن ينظر في ساعته. تركته في ذهول، يحاول استعادة توازنه أمام تلك “الفتاه” التي كشفت له لأول مرة كم هي حياته جافة ومملة.
في تلك اللحظة، ولأول مرة، شعر ياسين بضربة في جدار منطقه الصارم.
ليلى لم تكن مجرد فتاة جميلة، كانت “مرآة” كشفت له أن حياته لا روح فيها ولا حياه..
أما ليلى، فقد جذبها في ياسين ذلك الثبات الذي يشبه الجبل، شعرت أن خلف هذا القناع القاسي قلباً يحتاج فقط لمن يجرؤ على طرقه.
***************
بعد ما ليلى خرجت وسابت ريحة الياسمين محبوسة في ستاير المكتب، ياسين فضل قاعد مكانه كأنه “متسمّر”. السكون في المكتب بقى تقيل، تقيل لدرجة إن طنين التكييف كان بيخبط في دماغه زي المطرقة. مسك القلم الفضي الغالي، وبدأ يبص لجدول البيانات.. الأرقام اللي طول عمرها بتمثله “الأمان”، النهاردة بانت قدامه “باهتة” وملهاش طعم.
من غير ما يحس جه فى خياله طيف ضحكتها وهي بتنكلم عن “الألوان والروح”. رنت في أذنه جملتها:
“إنت عايش ولا بتتحرك حسب الجدول؟”.
فجأة، ومن غير تفكير، سن القلم نزل على نص الصفحة البيضاء.. وبدل ما يكتب رقم، إيده اتحركت بحرية متمردة، رسمت خط أحمر متعرج، طالع ونازل بجنون، كأنه نبض قلب واحد لسه فايق من غيبوبة. الخط شق بياض الورقة وجفاف الحسابات، وكأنه بيصرخ في وش الرمادي اللي مالي المكان.
“ياسين.. التقرير النهائي جاهز؟”
ده صوت حازم “الروبوتي” خلى ياسين يتنفض مكانه كأنه اتكشف وهو بيعمل . في ثانية، كفه غطى الورقة، وحس بـ “رعشة” خفيفة في أطراف صوابعه مكنتش موجودة قبل كدة.
ياسين بصوت فيه بحة غريبة، بيحاول يسيطر على نفسه:
“لسه يا حازم.. محتاج مراجعة أخيرة.”
حازم قرب خطوة، وعينيه “الميكروسكوبية” لاحظت حاجة غريبة.. فيه نقطة عرق خفيفة بدأت تظهر على جبين ياسين، ولمعة عينيه مكنتش لمعة تركيز، دي كانت لمعة “توهان”.
حازم بشك: “مراجعة؟ إنت إيدك متشنجة فوق الورقة كأنك مخبي سر.. فيه إيه يا ياسين؟ الأرقام فيها غلط؟”
في اللحظة دي، الباب اتفتح بهبدة، ودخل “تامر” وهو بيصفر، ووشه بيلمع بالشماتة اللذيذة.
تامر: “يا عيني على الجدية! ده إنتوا ناقص تجيبوا كلب حراسة على الباب. ياسين.. مالك وشك قالب ألوان كدة ليه؟ إنت مفسفس ليه يا صاحبي؟”
تامر، بخفته المعهودة، استغل لحظة ذهول ياسين، ومد إيده “خطف” الورقة من تحت كفه قبل ما ياسين يلحق يمنعه. أول ما تامر شاف “الخط الأحمر”، عينيه وسعت، وانفجر في ضحكة هزت جدران المكتب.
تامر شاور بالورقة لحازم: “شوف يا حازم! البروفيسور ياسين، ملك المسطرة، بدأ يرسم ‘شخبطة’! لا وكمان باللون الأحمر.. تصدق يا ياسين، الخط ده فيه ‘روح’ أكتر من كل التقارير اللي عملتها في حياتك. إنت بدأت تنزف مشاعر يا بطل!”
ياسين قام من ورا المكتب، وشه احمرّ بجد المرة دي، وحس بـ “سخونية” بتجتاح رقبته. حاول يتكلم، بس صوته خانُه وطلع مهزوز شوية:
ياسين حاول يسترد الورقة بعصبية مدارية: “هات الورقة دي يا تامر.. دي مجرد ‘تفريغ طاقة’ عشان أركز في الأرقام الصعبة اللي قدامي. بطل خيال واسع.”
تامر غمز له ونبرة واطية: “تفريغ طاقة برضه؟ ولا ‘إعصار الألوان’ اللي خبط فيك الصبح ساب علامة؟
ياسين سكت، وبص للورقة اللي في إيد تامر.. الخط الأحمر كان فعلاً شاطر الجدول المالي لنصين، كأنه “سكينة” قطعت حبل المنطق اللي كان رابط حياته. لأول مرة، ياسين محسش بالضيق من “الفوضى” اللي عملها، بل بالعكس.. حس بنبض غريب في صوابعه، وكأن الشخبطة دي هي الحاجة الوحيدة “الحقيقية” وسط كل الزيف اللي حواليه.
“ياسين عينه جت في عين تامر” لحظة صدق، تامر فهم فيها إن صاحبه فعلاً بيعاني، فبطل هزار فجأة وقال “الأرقام بدأت تنزف يا صاحبي.. والرمادي بتاعك بدأ يتفضح.”
ياسين بخفوت”مشروعها فيه ‘ثغرة’.. ميزانيتها مفيهاش غلطة، بس فيه حاجة غريبة في اختيارها للألوان.
” تامر بيضحك: “ثغرة؟ ولا إنت اللي اتلخبطت في حساباتك؟
” ياسين مسك ورقة صغيرة سقطت منها، ريحة الياسمين لسه فيها همس بنغمه جديده فى صوته: “سيبك من الأرقام يا تامر.. البنت دي داخلة دماغي بطريقة مش حسابية خالص.”
***************
بعد خروج تامر وحازم، المكتب فضي تماماً. ياسين فضل قاعد “متسمّر”. السكون بقى تقيل لدرجة تخنق. مسك الورقة اللي شخبط فيها “الخط الأحمر” المتمرد اللي رسمه وهو سرحان في كلامها.
ملقاش نفسه بيرميها في الزبالة زي عادته مع أي حاجة “مش منظمة”. طبقها وحطها في درج مكتبه.. الدرج اللي فيه “أسراره” اللي مبيفتحوش لحد. بص للنيل من ورا القزاز، ولأول مرة، مشافش النيل “مساحة استثمارية”، شافه ميه ماشية بتدفع اللي قدامها.. زيها زي “ليلى”.
ليلى كانت ماشية في الشارع وهي حاسة إنها طايرة، رغم إن النتيجة لسه مظهرتش. طلعت موبايلها وبعتت رسالة لـ “سارة”: “تفتكري هيوافق؟”.
وفي نفس اللحظة، كان ياسين في مكتبه، باصص للملف اللي ليلى سابته، وبالقلم الأحمر بتاعه، شطب على كلمة “مرفوض” اللي كان كاتبها الصبح، وساب الخانة فاضية.. كأنه مستني قلبه هو اللي يملى الفراغ.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




