
ليلى بثبات عكس مخاوفها كملت: “الفرق بيني وبينك إنك شايف الخرسانة ‘مادة صلبة’، وأنا شايفاها ‘إنسان’ بيتنفس. الزبون اللي هيدفع ملايين في مشروعك، بيدور على الراحة النفسية اللي أنت بتشوفها ‘رفاهية’.. بس قولي، إمتى آخر مرة حسيت براحة في مكتبك ده؟”
في اللحظة دي، الصمت في القاعة بقى مسموع. أعضاء اللجنة بطلوا يكتبوا، وبقوا بيبصوا لياسين “الصارم” اللي لأول مرة حد يقف قدامه كدة.
ياسين (بيسكت لحظة، ملامحه بتترعش للحظة قبل ما يرجع قناع الجمود): “الراحة مش وظيفة المهندس.. الوظيفة هي التسليم في الموعد.”
ثم رفع حاجبه بابتسامة بسخرية : كلام شاعرى “النبض بيوقف لو الحساب البنكي بقى صفر. المنطق بيقول إنك ماشية عكس التيار.” بيقول إن مشروعك هيفلس في أول ست شهور. السوق مبيرحمش أصحاب القلوب الرهيفة.”
ليلى (بصوت واطي ومسموع): “الخوف بياكل وشك وأنت بتتكلم عن المواعيد يا بشمهندس.. لو مش عارف تعيش وسط ‘الجمال’، متكسرش اللي بيعرفوا يعيشوا.”
و بضحكة واثقة : “والسوق برضه بيزهق من القوالب المصبوبة.
“والتيار مبيغيرش مجراه غير للي بيعرفوا يعوموا عكسه.
قولي بصراحة.. إنت خايف من التجربة؟ ولا خايف تكتشف إن ‘الصح’ بتاعك ناقص؟ إنت خايف يا ياسين ببه.. خايف تعترف إن ‘المسطرة’ بتاعتك ناقصة.خايف تكتشف إن العالم فيه ألوان تانية غير الأسود والأبيض اللي إنت عايش فيهم؟”. إنت عايش في علبة أرقام، ومستكثر عليا أخرج براها.”
ياسين اتغيرت نبرته للحدة: “أنا مش خايف، أنا واقعي. الحياة بره الحرم الجامعي وحماية أهلك قاسية. مفيش حد هيطبطب عليكي لما الشيكات ترجع.”
ليلى بثبات مدهش: “أهلي دلعوني؟ فعلاً. بابا علمني إن القوة في الفكرة، وماما علمتني إن النظام وسيلة مش غاية. أما إخواتي التلاتة.. الظابط والجراح والإعلامي.. فكل واحد فيهم علمني إزاي أكسر ‘المنطق’ اللي بيحاول يهد طموحي. القسوة اللي إنت لابسها دي درع هش جداً، وأنا شايفة إنك محتاج ‘روح’ مش محتاج ‘أرقام’.”
ليلى وقفت بثبات أمام لوحاتها، ولاحظت ياسين بيضغط على قلمه الفضي بعصبية، وعينه كانت مسمرة على لوحة معينة لليلى، وكأنه بيدور على غلطة يهرب فيها من نظرتها.
ليلى كملت بضربة قاضية وبنبرة حاسمة: “قبل ما تتكلم عن ميزانية المواد البيئية، يا بشمهندس ياسين.. أنا عارفة إنك هتقول إنها زيادة 40%، بس لو بصيت في المادة (رقم 7) من كراسة شروط الحي للمنطقة دي، هتلاقي إن المباني اللي بتستخدم مواد مستدامة بتاخد إعفاء ضريبي بنسبة 15%، غير إن تكلفة الصيانة السنوية بتقل للنص. يعني ‘الأرقام’ اللي حضرتك بتحبها بتقول إن مشروعي أوفر على المدى الطويل.. المسألة مش بس ‘سعادة’، المسألة ذكاء حسابي كمان.”
ياسين سكت تماماً. رفع إيده تانى وعدل الكرافتة اللي بقت فجأة كأنها “حبل مشنقة” حوالين رقبته، وسمع صوت “تكة” القلم وهو بيقفله بعنف. الصدمة كانت واضحة في عيون اللجنة؛ “الرمادي” اتهز!
ياسين بصوت منخفض لكنه حاد: “المادة رقم 7؟.. إنتي قرأتى الكراسة كويس.
ليلى بابتسامة ذكية: “قريتها بعين الفنان اللي بيعرف إن القالب لازم يكون متين عشان الألوان تعيش. إنت خايف يا ياسين بيه.. خايف تكتشف إن ‘المسطرة’ بتاعتك ناقصة، وإن العالم فيه ألوان تانية غير الأسود والأبيض.”
ساد صمت مفاجئ. شعر ياسين ولأول مرة أن “المنطق” الذي يحتمي به يتصدع. كانت ليلى أمامه مزيجاً غريباً؛ رقة فتاة مدللة تختار عطرها بعناية، وصلابة رجل خاض مئة معركة
********
في نفس الوقت اللي كانت ليلى واقفة فيه قدام ياسين زي “الريشة” اللي بتواجه “الإعصار”، كان فيه خيال مستخبي ورا باب القاعة اللي كان موارب شوية. زياد كان واقف، كاتم نفسه تماماً، ورافع موبايله بمنتهى الاحترافية وكأنه بيصور مشهد سينما.
زياد (بهمس وفرحة): “يا نهار ألوان! الكادر ده عالمي.. ‘الروبوت’ وهو بيقطّع في اللوح، والبت ليلى وهي بترد عليه بقلب جامد.. ده (كونتراست) يجنن! الفيديو ده لو نزل هيعمل زلزال.”
ثبت الكاميرا على وش ياسين الجامد وهو بيقول جملته (السعادة مابتتصرفش في البنك)، ونقل الكادر بسرعة لوش ليلى المصدوم والمتحفز في نفس الوقت.. أول ما ليلى بدأت تلم حاجتها عشان تخرج، سحب نفسه بخفة وجري على بره وهو بيضحك بخبث: “استني عليا يا لولو.. أنا هخليكي تريند مصر الأول الليلة دي.”
: انسحب زياد من وراء الباب:
ومشى لورا بخطوات سريعة وهو كاتم ضحكته، عينه مش مفارقة شاشة الموبايل وهو بيبص على صيد التيك توك الثمين اللي صوره. ومن كتر حماسه وتوهانه في الفيديو، مخدش باله من “الـحـيطة” اللي خبط فيها بره القاعة!
“آااه.. مش تفتح يا كابتن إنت؟”
زياد رفع عينه بسرعة، لقى نفسه في مواجهة “سارة” اللي كانت واقفة سانة ضهرها على الحيطة، منزلة الكاميرا الاحترافية بتاعتها، وبتبص له بنظرة فاحصة كلها شك. وقبل ما ينطق بكلمة، لقى إيدها اتمدت وطوّقت ياقة قميصه بخفة وحزم: “بتعمل إيه هنا يا بتاع التيك توك؟ ومستخبي ورا الباب كأنك بتسرق كحل من العين ليه؟”
زياد بلع ريقه، وبحركته الشقية المعتادة، رفع إيديه لفوق كأنه بيسلّم نفسه: “جنايتك.. أنا بريء! ده أنا كنت بعمل عمق إعلامي للحَدَث.. سيبى الياقة بس عشان البرستيج وبصي على العظمة دي!”
سارة ديرت وشها بضيق وهي بتسيب قميصه: “عظمة إيه يا زياد؟ أختك جوه في ‘موقعة حربية’ مع آلة حاسبة ببدلة رمادي، وإنت فالح تقولي عظمة؟”
زياد لف حواليها ومد الموبايل قدام عينها بخبث: “طب وحياة عدساتك الغالية دي تلمحي الكادر.. شوفى ‘الروبوت’ السلحدار وهو بيتفاجئ بالمادة رقم 7، وشوفي أختك وهي بتقصف جبهته بالمللي.. ده (كونتراست) سينمائي يدرس يا فنانة! الفيديو ده لو نزل ريلز.. مصر كلها هتتكلم عن ليلى المنصوري الليلة دي.”
سارة عينيها وسعت فجأة وهي بتبص على الشاشة، لمعة الانبساط ظهرت في عينها وهي بتشوف ملامح ياسين المصدومة، بس بسرعة حاولت تداري إعجابها بالفيديو ورجعت لملامحها الجادة: “تصدق يا لمض.. اللقطة طالعة حلوة؟ بس وحياة أمك بلاش تيك توك دلوقتي، إحنا مش ناقصين سيادة الرائد يوسف يلمح الفيديو ده ويعملنا إحنا الاتنين ‘إخلاء إداري’ من الطرقة هنا.. ده لسه قافل معايا وكان ناقص يديني جزاء عسكري وأنا واقفة في حالي!”
زياد غمز لها بضحكة مجلجلة: “أوبااا.. الرائد جو بنفسه؟ طب والله العظيم الفيديو ده لو نزل، يوسف بيه هيعملي مكافأة تشجيعية عشان قصفنا جبهة السلحدار اللي منشف دم أختك.. تعالي تعالي ورايا أوريكي الـ (Edit) اللي هعمله، وهنكسر بيه الدنيا.”
سارة مشيت وراه غصب عنها وهي بتبتسم، مابين جنون زياد اللي عدّاها، وخوفها المستتر من إن يوسف فعلاً يظهر في أي لحظة ويقلب الفوضى الفنية دي لجدية عسكرية.
*********




