عام

د كريم شد كرسي المكتب

كريم شد كرسي المكتب وقعدني عليه وهو بيطبطب على كتفي، ناوبني كباية مياه إيدي مكنتش قادرة تمسكها من الرعشة. الغرفة كانت ضلمة، مفيش فيها غير النور الأزرق اللي طالع من شاشتين كمبيوتر كبار، والورق المتدبس في لوحة الفلين على الحيطة كأننا في مشهد من فيلم بوليسي. الخطوط الحمراء اللي واصلة بين صور شريف، وياسمين، وعقود لأراضي في العاصمة الإدارية، كانت عامة عيني.

— اشربي يا أمي واسمعيني كويس.. اللي شوفتيه في المول ده كان القشرة، المولد اللي شريف السلاب عامله عشان يعيش فيه سن سنه، بس المولد ده متمول من دمي ودمك.

مسحت وشي بـمنديل وأنا بحاول أجمع صوتي اللي هرب مني:

— دمي ودمك إزاي يا كريم؟ أبوك شريف طول عمره بياخد قرارات الشركة لوحده، أنا ماليش في الحسابات، وإنت يدوب لسه مخلص ثانوية عامة وداخل هندسة.. جيبت الكلام ده منين؟ وفاضل تلات أيام على إيه؟

كريم ابتسم ابتسامة باهتة، بس فيها كمية وجع وذكاء تخوف. لف الشاشة الكبيرة ناحيتي، وظهرت عليها جداول حسابية معقدة باللون الأحمر والأخضر، وجنبها لوجو “مجموعة الأفق للمعمار”.

— أبويا افتكر إني لما كسبت بطولة الروبوتكس، كنت بلعب بلعب أطفال.. متخيلش إني من سنة كاملة، لما كان بيسيب اللاب توب بتاعه مفتوح في المكتب اللي تحت، قدرت أعمل “نسخ رقمي” لكل الداتا اللي عليه. أنا مكنتش بدور وراه عشان خيانة، أنا كنت حاسس إن الشركة دي فيها حاجة غلط من طريقة كلامه في التليفونات بالليل. ولما دورت.. لقيت البلاوي.

كريم شاور بالمسطرة على اسم ياسمين المنشاوي في عقد رسمي:

— ياسمين دي مش مجرد سكرتيرة اتجوزها في السر وولدت له عيل يا أمي. ياسمين دي هي “الواجهة” اللي بيهرب عليها فلوس الشركة. شريف كان بيعمل مناقصات وهمية لمواد بناء وحديد وتسليح، وبيرسي المناقصات دي على شركة توريدات تانية لسه متأسسة من سنتين.. الشركة دي باسم مين؟ باسم “ياسمين المنشاوي”.

حسيت إن دماغي بتلف:

— يعني بيسرق شركته؟

— بيسرق شركته وبيسرقك إنتي بالذات. فاكرة لما خلاكي تمضي من ست شهور على ورق، وقال لك ده توكيل عشان يجدد لجنتك في نادي الجزيرة ويخلص إجراءات أرض الحزام الأخضر؟

— أيوة.. قالي امضي هنا وهنا عشان ميكتبش الأرض باسمه لوحده وتبقى باسمنا إحنا الاتنين.

كريم خبط بـإيده على المكتب بحرقة:

— ضحك عليكي يا أمي. الورق ده كان تنازل بيع وشراء وتوكيل عام شامل بيدي له الحق يتصرف في نصيبك الشرعي اللي ورثتيه عن جدي الله يرحمه في أسهم التأسيس بتاعة “مجموعة الأفق”. جدي كان سايب لك ٣٠٪ من أسهم الشركة دي، وشريف بالتوكيل ده، نقل ٢٥٪ منها لشركة ياسمين، وساب لك ٥٪ بس.. يعني خلاكي غريبة في مال أبوكي!

الدموع اللي كانت محبوسة في عيني نزلت حرّاقة. مش عشان الفلوس، غار داهية المال، بس عشان العمر اللي راح مع راجل كنت بأمنه على نفسي وعلى اسم أبويا. شريف السلاب اللي دخل بيتنا بشنطة هدومه، وأبويا الله يرحمه هو اللي عمله اسم وخلاه رئيس مجلس إدارة، يلف اللفة دي كلها عشان يرميني برة شقا عمري؟

— طب والبيوت؟ الفيلا اللي إحنا قاعدين فيها دي؟ والشاليه بتاع الساحل؟

— الفيلا دي متباعة بعقد ابتدائي لـ “ابنه السري” اللي اسمه يوسف، والبيوع دي متأرخة بتاريخ قديم عشان لما يرفع قضية الطلاق اللي بيجهز لها، تكتشفي إنك ملبوسة في حيطة، وملكيش حق تطلبي تمكين من فيلا ميرفتش فيها باسم جوزك! شريف كان ناوي يطلقك يوم الإثنين الجاي.. بعد ما يخلص دمج “مجموعة الأفق” مع شركة استثمار خليجية هتدخل بمليارات. هو كان عايز يخلص من الـ ٣٠٪ بتوعك عشان لما الصفقة تتم، الفلوس كلها تدخل جيبه هو وياسمين، وإنتي تطلعي بنفقة ومتعة يدوبك يقعدوكي في شقة إيجار جديد في أطراف القاهرة!

وقفت على رجلي وأنا حاسة بنار بتاكل في صدري:

— يعني هو كان بيخطط لكل ده، وأنا زي الهبلة كنت بزعل عشان مش بيقعد معايا؟ أنا هروح أهد الدنيا على دماغه ودماغ السنيورة بتاعته.. أنا هفضحه في وسط سوق العقارات كله!

كريم مسكني من كتافي وضغط عليا براحة لحد ما قعدت تاني:

— الهدد ده هو اللي هيضيع حقنا يا أمي. الست اللي تصرخ وتعمل فضيحة بتخلي الراجل اللي زي شريف، بفلوسه وعلاقاته ومحامينه، يقلب الترابيزة عليها ويطلعها مجنونة وبتتبلى عليه عشان غيرانة من السكرتيرة. إحنا مش هنصرخ.. إحنا هنكتم نفسه وهو في قمة فرحته.

— طب إزاي؟ فاضل تلات أيام يا كريم.. إنت كاتبها على السبورة!

كريم عينيه لمعت بنظرة ذكاء حادة وشريرة:

— يوم الأحد، يعني بعد بكرا، فيه مؤتمر اقتصادي ضخم جداً في الفورسيزونز. المؤتمر ده شريف بقاله شهور شغال عليه، وهيوقع فيه عقد الشراكة مع المستثمر الخليجي، والبلد كلها هتبقى هناك، قنوات تلفزيونية، ورجال أعمال، ووزراء. شريف محضر بريزنتيشن (عرض) كبير على الشاشات عشان يعلن فيه عن الكيان الجديد للشركة.. والبريزنتيشن ده، أنا اللي هرفعه على السيرفر بتاع القاعة بنفسي لأن شركتي اللي كسبت مسابقة الروبوتكس هي اللي ماسكة تأمين النظم التكنولوجية للحفلة.

بلعت ريقي وأنا ببص لابني، مبقتش شايفة فيه العيل الصغير اللي كنت بخاف عليه من الهوا، أنا شايفة راجل واقف بيحمي أمه:

— هتعمل إيه يا كريم؟

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى