منوعات

د العربيه السوداء

العربية السودة كانت بتتحرك بيا بالراحة وسط زحمة شوارع مصر الجديدة، وأنا ساندة راسي على الأزاز، وببص على نور المحلات والفوانيس اللي بتجري برة، وكل اللي بيدور في عقلي هو شكل وائل وهو واقف مذهول. كان تليفونه في اللحظة دي أكيد بدأ يزن، رسايل الواتساب اللي بعتها مابتترفضش ولا بتتمسح، رسايل هتشقلب الكوشة وتطير الفرح باللي فيه.

أنا قعدت سنتين كاملين ساكتة، سنتين ونيرمين بتخطط وتوقع بيني وبين ابني، تطلعني قدامه الست الحشرية، الأم المستبدة اللي عايزة تخرب على ابنها وتتحكم في حياته. كانت بتدخل بيتي بوش الملاك البريء، تاكل من لقمادتي وتضحك في وشي، ومن ورايا تزن في ودنه لحد ما كرهته فيا. وصلت بيه الدرجة إنه يطردني من شقته اللي شقيت عمري كله عشان أشتريها له، ويقولي “حياتي وأنا حر فيها يا أمي، بلاش تخربي بيتي قبل ما يبدأ”. وأنا سكت، سكت عشان كنت فاكرة إن الواد معمي بالحب، بس لما الحكاية وصلت لقطع صلة الرحم ويوم فرحه يوقفلي أمن على البوابة، كان لازم الحقيقة تطلع، والحقيقة المرة دي كانت حامية وحارقة.

الملف اللي اتبعت لوائل على تليفونه ماكنش مجرد كلام أو إشاعات، دي كانت قنبلة متقاطعة بالصوت والصورة والمستندات. ملف فيه تسجيلات نيرمين مع طليقها الأولاني اللي كانت مفهمة وائل إنها ما اتجوزتش قبله أصلاً، وعقود بيع وشراء لفلوس وائل اللي كانت بتتسحب من وراء ضهره عشان تتدخل في حسابات تانية باسم أمها، والأهم من ده كله، المحادثات الصوتية اللي كانت بتقول فيها لصحبتها الأنتيم: “أنا هخليه يبيع أمه وأهله، ويمضي على الشقة والفيلا الجديدة، وبعدها هعرف أخلعه وأطلع بقيمة وعفش وفلوس تخليني هانم طول عمري، الواد مغفل فيا”.

 

في نفس اللحظة دي، جوه القاعة الشيك، المزيكا كانت شغالة والدي جي صوته قالب المكان، والناس بدأت تتجمع حوالين الكوشة عشان “السيستشن” بتاع الصور. نيرمين كانت واقفة بتعدل الفستان وضحكتها واصلة لودانها، بس عينيها كانت بتلف في المكان بقلق. هي شافت نظرتي الأخيرة، وشافت الثقة اللي كانت في عيني وهي مش غبية، حست إن في حاجة غلط.

وائل كان واقف جنبها، بس إيده اتمدت تلقائي لـ جيب البدلة وطلع التليفون. في الأول افتكرها رسالة تهنئة من صاحبه ولا حد من قرايبه، بس لما لقى الرقم “مجهول” وجنبه جملة واحدة: “افتح الفولدر ده حالا قبل ما تمضي على قسيمة الجواز وتضيع عمرك”، صوابعه اترعشت.

ضغط على الرابط، وبدأ أول تسجيل صوتي يشتغل. الصوت كان واطي وسط دوشة القاعة، فحط التليفون على ودنه وهو بيحاول يركز. نيرمين عينيها جت عليه، ولمحت الوش اللي بدأ يتحول من اللون الأصفر للون أزرق غامق، والشفيف اللي بدأت تترعش.

— في إيه يا وائل؟ مين بيكلمك في وقت زي ده؟ سيب الزفت ده وركز معايا، المصوراتي واقف مستنينا.

وائل ما ردش عليها، ولا كأنه سامعها أصلاً. الصوت اللي خارج من السماعة كان صوت نيرمين وهي بتقول بكل وضوح: “وائل ده خاتم في صباعي، بكلمتين بخليه يعيط، وأمه دي أنا خلاص طردتها برة اللعبة، مش هخليها تقف في طريق القرشين اللي هنطلع بيهم”.

الدنيا اسودت في عين وائل. حس إن القاعة كلها بتلف بيه، والمعازيم اللي كانوا بيضحكوا بقوا زي خيالات المآتة. بص لنيرمين اللي كانت واقفة جنبه بفساتينها الأبيض وطرحتها الطويلة، وبص للوش اللي كان فاكره ملاك، لقاه فجأة اتحول لوش شيطان متنكر.

— وائل! أنت مالبك؟ في إيه؟

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى