
صوت كواوتشات العربيات الجيب وهي بتفرمل على الأسفلت المغرقان مية كان عامل زي صوت الرعد اللي قسّم السما نصين. الأنوار العالية بتاعة العربيات عمت عنينا كلنا، الكومباوند كله اتقلب في ثواني لثكنة عسكرية. البوابين بتوع الأمن كانوا بيجروا ورا العربيات ومش عارفين يوقفوا مين ولا مين، الأسطول كان مكون من سبع عربيات شيروكي سودا فاميه، وقفوا نص دايرة محاوطين فيلا أحمد، ونزل منهم في نفس اللحظة رجالة ببدل سودا كاملة، طول بعرض، ملامحهم متفسرش غير بحاجة واحدة: “مفيش هزار”.
أحمد خطوة رجعت لورا تلقائي، وداليا كاس الخمر وقع من إيدها اتدشدش مية حتة على بلاط البورسلين بتاع التراس. أما الحجة توحة، فكانت واقفة سانده على عمود الخرسانة، وشها مابقاش فيه نقطة دم، وعينها بتلف بين العربيات وبين الصدمة اللي لجمت لسانها.
الباب الوراني للعربية اللي في النص اتفتح، ونزل منه راجل هيبته لوحدها توقف دقات القلب. جلال بيه المنصوري. أبويا. الراجل اللي لو عطس في سوق العقارات والمقاولات في مصر، البورصة كلها بتتهز. كان لابس بالطو أسود طويل، مفيش في إيده شمسية، والمطر اللي نازل على شعره الأبيض وزاد وقاره هيبة مكنش هاممه. جنبه نزل مترين، المستشار رفعت المحامي العام للمجموعة، وتلاتة من كبار المحامين اللي بياخدوا ملايين عشان بس يكتبوا عقد.
أبويا مشي في المطر بخطوات تقيلة، ثابتة، وعينيه كانت عليا أنا.. على بنته الوحيدة اللي واقفة مبلولة في الشارع وساندة بطنها في الشهر السادس. لما قرب مني، رجالة الحراسة اتوزعوا في ثواني، اتنين منهم وقفوا ورايا وفتحوا شمسيات ضخمة عشان المطر ميرمسنيش، وتلاتة تانيين وقفوا زي الحيطة السد بيني وبين عتبة الفيلا اللي واقف عليها أحمد وأمه.
جلال بيه وقف قدامي، بص لوشي المبلول، ولمح الأثر اللي سابته تفة الحجة توحة على خدي، عينيه اسودت لدرجة خلتني أنا نفسي خفت. مد إيده الكبيرة الحنينة، ومسح خدي بمنديل قماش قاسي، وقال بصوت واطي بس يرعب: “أنا أسف يا مريم.. أسف إني سيبتك للي ما يسواش عشان أعلمك الأدب، بس وحياة دموعك دي، ووجع قلبك، لأخليهم يتمنوا الموت وميطولوهوش”.
أحمد حاول يبلع ريقه، صوته طلع مسرسع ومتهدج وهو بيقرب خطوة: “جلال بيه؟.. هو.. هو حضرتك بابا مريم؟ لا يمكن.. مريم كانت بتقول إن أبوها موظف على باب الله وميت!”
أبويا ملتفتش ليه أصلاً، بصل للمستشار رفعت وشاور بإيده إشارة خفيفة. رفعت فتح الشنطة الجلد الجلد الفاخرة بتاعته، وطلع منها ملف ولبس نظارته وبدأ يقرا بصوت جهوري مسمع الكومباوند كله:
“بناءً على التكليف المباشر من سيادة رئيس مجلس الإدارة، جلال بيه المنصوري.. أولاً: تم الاتصال الآن برئيس بنك الإسكان والتعمير، وتم تجميد كافة التسهيلات الائتمانية والقروض الممنوحة لشركة ‘أحمد زهران للمقاولات’، وبناءً عليه، الشيكات المقبولة الدفع الصادرة من شركته غداً صباحاً بقيمة ٤٥ مليون جنيه ستترد بدون رصيد، وسيتم رفع دعوى جنحة مباشر للحجز والضبط والإحضار خلال ساعات”.
أحمد رجله اتلوت وسند على سور السلم، وشه بقا أزرق: “قروض إيه وشيكات إيه؟ أنا واخد القرض ده بضمان أرض التجمع!”
المستشار رفعت كمل وهو بيقلب الصفحة بكل برود: “ثانياً: أرض التجمع الخامسة التي تقام عليها مشروعاتك الحالية، هي في الأصل ملك لشركة ‘المنصوري جروب’، والتوكيل العام بالبيع والإدارة الذي قمت بالتوقيع عليه لزوجتك مريم جلال المنصوري يمنحها الحق المنفرد في إلغاء عقد الشراكة، وبناءً عليه، تم إلغاء العقد وتحويل الأرض لصالح المجموعة، وتعتبر كل المباني المقامة عليها تعدياً صارخاً على أملاك الدولة والغير، وسيتم إرسال لودرات الإزالة غداً الساعة الثامنة صباحاً”.




