
“إزالة؟! يخرب بيتك! دي شقا عمري! دي فلوس ناس وحاجزت شقق!” أحمد صرخ زي الحريم، نزل يجري على السلم، بس اتنين من الجاردات كتموا نفسه في ثواني ولوا دراعه ورا ضهره وثبتوه في الأرض المبلولة، وشه بقا في الطين اللي كان حادفك فيه شنطتي من شوية.
داليا شافت المنظر، راحت لامة ديل الروب بتاعي، وجريت تستخبى جوا الفيلا وقفت ورا الباب الأزاز وهي بتترعش وبتقفل السنترال عشان متتحبسش معاهم.
الحجة توحة نزلت تجري على السلم، العباية الغالية اتبهدلت طين، وراحت رامية نفسها تحت رجلين أبويا وهي بتعيط وتولول: “يا جلال بيه.. يا باشا.. العفو! إحنا ناس غلابة وم نعرفش، الواد طايش والبت دي هي اللي عميت عينه! مريم دي بنتنا وحبيبتنا، ده أنا كنت بهزر معاها، دي شايلة ابننا.. لحمنا ودمنا!”
أبويا بص لها بقرف، ومشي خطوة لورا عشان طراطيش الطين من جزمتها متمسوش، وقالها بنبرة تقطع الرقبة: “ابنكم؟ الجنين اللي في بطن بنتي ده مش هيشيل اسم عيلتكم الزبالة ثانية واحدة.. المترجمين والمحامين شغالين دلوقتي في إجراءات سقوط النسب وحرمانكم من رؤيته ليوم الدين، أما بالنسبة للفيلا اللي إنتي واقفة فيها دي..”
أبويا بص لأحمد اللي كان بياكل الطين تحت رجلين الحراسة وقال: “الفيلا دي مرهونة لشركتي مقابل سلفة شخصية إنت خدتها من سنة عشان تداري على خسارتك في البورصة.. وتاريخ السداد كان من أسبوع، وبما إنك مسددتش.. المستشار رفعت معاه أمر تنفيذ وقضائي بالحجز التحفظي والطرد الفوري”.
أحمد رفع رأسه من الطين، الدموع نازلة مختلطة بمية المطر والتراب: “مريم! ارحميني يا مريم! أنا جوزك.. حبيبك! أنا عملت كل ده عشان كنت مضغوط، أمي هي اللي كانت بتزن عليا، وداليا هي اللي أغرتني! أنا بحبك إنتي، متخربيش بيتنا عشان خاطر ابننا!”
أنا بصيتله.. بصيت للراجل اللي كنت فاكراه سند، الراجل اللي داريت اسم عيلتي ومركزي عشان يقر بيا كإنسانة مش كفلوس، الراجل اللي من ربع ساعة بس رماني في المطر وأنا شايلة ابنه في بطني. مسحت وشي من المطر، وقربت منه خطوتين، الحارس فتح الشمسية فوق راسي عشان أقف بكل شموخ قدامه وهو مرمي في الأرض.
“عارف يا أحمد؟” صلوتي طلعت قوية، مفيش فيها أي رشة ضعف، “أنا مكنتش مخبية عنك اسم أبويا عشان أخدعك.. أنا كنت مخبياه عشان كنت خايفة عليك من نفسك، خايفة تطلع طماع ومبتحبنيش.. وطلعت أسوأ مما كنت أتخيل. الفيلا دي، والهدوم دي، والعز اللي إنت عشت فيه تلت سنين، كله كان من خيري ومن عقود المقاولات اللي أبويا كان بيمشيها لشركتك من تحت الترابيزة عشان خاطري.. إنت من غيري.. صفر على الشمال”.
الحجة توحة بدأت تلطم على وشها في الشارع: “يا خرابي! بيتنا اتخرب! هنروح فين يا جلال بيه؟ ارحمنا!”
أبويا شاور للرجالة: “ارموهم برا الكومباوند.. والشنطة دي” شاور على شنطتي اللي أحمد رماها في الطين “هاتوها، والهدوم اللي فيها تتولع فيها عشان ريحة المكان ده متدخلش بيتي”.
واحد من الحراس شال الشنطة براحة، والتانيين مسكوا أحمد وأمه من قفاهم زي الكلاب الجربانة، وسحلوهم على بوابة الكومباوند برا، وسط نظرات الجيران اللي فتحوا الشبابيك يتفرجوا على الفضيحة اللي هتبقى حديث التجمع كله الصبح.
أبويا مسك إيدي، وفتحلي باب العربية الروز رايس السودا، وقالي بحنان: “اركبي يا قلب أبوكي.. بيتك مستنيكي”.
ركبت العربية، والراحة بدأت تدب في جسمي، الدفا غمرني والمحامين قفلوا الملفات وركبوا عربياتهم، والأسطول بدأ يتحرك بهدوء زي ما جه.. سايبين وراهم خرابه اسمها عيلة زهران.
طول الطريق وأنا حاطة إيدي على بطني، بحس بحركة ابني اللي بدأ يتحرك وكأنه حاسس إن أمه رجعت قوية تاني، إن خلاص مفيش إهانة ولا ذل تاني. وصلنا القصر بتاعنا في جاردن سيتي، المكان اللي كنت عايشة فيه زي الأميرة قبل ما أتنازل وأروح أعيش في فيلا أحمد عشان أرضي غروره.
أبويا دخلني الأوضة بتاعتي اللي متلمستش من يوم جوازي، كانت مجهزة بكل حاجة، الدكاترة كانوا مستنييني، كشفوا عليا واطمئنوا على البيبي وإدوني مهدئات عشان الإرهاق. نمت ليلتها أعمق نومة نمتها من تلت سنين.
تاني يوم الصبح..
صحيت على صوت خبط هادي على الباب. كانت الشغالة، داخلة ومعاها صينية الفطار وجنبها الجرايد والموبايل الجديد بتاعي اللي أبويا جابهولي بنفس الرقم.
فتحت الموبايل، لقيت أكتر من ٢٥٠ مكالمة فائتة من أحمد، ورسايل وتوسلات تقرف. فتحت التلفزيون على الأخبار الاقتصادية، المذيع كان بيتكلم بصوت ملهوف: “انهيار مفاجئ لشركة زهران للمقاولات بعد سحب مجموعة المنصوري لأراضي المشروع الأكبر في التجمع، والنيابة تصدر أمر ضبط وإحضار للمهندس أحمد زهران بتهمة إصدار شيكات بدون رصيد تبخرت قيمتها في السوق”.
ضحكت ضحكة صافية من قلبي.. العدالة لما بتيجي بتبقى سريعة وبتوجع.




