
وقفت ندى مكانها في أوضة الغسيل، هواء التكييف طالع بارد ومخلوط بريحة الكلور النفاذة اللي كانت بتقطع النفس. عينيها مكنتش قادرة تتشال من على الشريط الأبيض المظبوط بالملي حولين ذراع سعاد الشمال. الشاش كان أبيض ناصع، مفيش فيه نقطة دم واحدة طالعة لبرة، بس طريقة لفه كانت بتأكد إن اللي تحته جرح عميق وطازة، اتعمل بحرفية شديدة وفي وقت قياسي.
سعاد قلعت الكفوف الأصفر ببطء، الصوت البلاستيكي وهو بيتخلع من إيدها كان زي صوت سحب السكينة. رمتهم جنب الطبق البلاستيك، وقربت من ندى لحد ما بقت ريحة الكلور والمسك العتيق اللي بتحطه يخنقوا المكان.
“مالك يا عروسة؟ باصة لجمجمتي كأني عفريت ليه؟” سعاد قالتها وهي بتعدل غوايشها الدهب اللي رنت بحدة. “اللي يشوفك يقول إنك أول مرة تشوفي واحدة جرحت إيدها وهي بتفتح علبة سمنة عشان تعمل شربات الفرح!”
ندى بلعت ريقها بالعافية، حاسة إن لسانها بقى حتة خشب. “علبة سمنة؟ بس البقعة اللي كانت على الملاية.. البقعة دي مش مسحوبة من إيد، دي كانت في نص السرير يا طنط. وكريم.. كريم كان نايم زي الجثة!”
ضحكة سعاد المرة دي طلعت من حنجرتها زي صرير باب مصدي. طبطبت على كتف ندى بضغط خفيف بس كان فيه تهديد واضح، أصابعها غرزت في لحم كتف ندى. “كريم ابن بطني، وأنا أدرى بيه. لما بياخد نومه ما بيحسش بالدنيا.. وبعدين القماش الأبيض بيشرب أي نقطة ويفردها، إنتِ لسه صغيرة ومبتفهميش في الأمور دي. يلا يا حبيبتي، انزلي سلمي على خالتك وعمك قبل ما يركبوا العربيات، بلاش يتقال إنك قفلتي بابك وعزلتِ نفسك من أول يوم.”
سعاد سابتها ومشيت، صوت كعب جزمتها كان بيخبط على بلاط الطرقة بثبات غريب، مفيش فيه أي أثر للترنح ولا العرج اللي كانت بتمثله إمبارح بالليل.
ندى فضلت واقفة. نزلت عينيها للمية اللي في الطبق. الكلور كان بدأ يحلل اللزوجة البنية، والمية تحولت للون وردي باهت يعيف النفس. طلعت تليفونها ببرود غريب، وقربته من الطبق، وصورت الملاية والمية، وصورت الشريط الأبيض اللي كان فاضل منه حتة صغيرة سعاد قصتها ورمتها في سلة الزبالة.
خرجت من أوضة الغسيل ورحت الأوضة. كريم كان قاعد على طرف السرير، بيلبس جزمته. كان بيحاول يربط الرباط وإيده ب his trembling (بتترعش). وشه كان باهت، وتحت عينيه هالات سودة كأنه مانامش من أسبوع.
“كريم..” ندى قالتها وهي بتقفل الباب وراها بالمفتاح.
كريم اتنفض من مكانه، وما بصش في عينها. “ندى، أرجوكِ.. أنا دماغي هتفرقع. أمي مشيت، والبيت فضي، خلينا نعدي اليوم ده على خير.”
“مش هعدي حاجة يا كريم!” ندى صرخت بصوت مكتوم، قربت منه ومسكت قميصه بقوة. “أنا اتطردت من سريري في ليلة دخلتي! نزلت نمت على الكنبة زي الخدامة، ولما طلعت لقيت أمك نايمة في حضنك، والملاية عليها دم، وهي ذراعها ملفوف بشاش! إيه اللي حصل في الأوضة دي إمبارح؟ إنت شربت إيه؟ وهي عملت فيك إيه؟”
كريم شد قميصه من إيدها بعنف، وعينيه لمعت بدموع خوف.. مش غضب، خوف صريح. “ما عملتش حاجة! أمي تعبت، وأنا أغمى عليا من الإرهاق! إنتِ عاوزة تعملي مصيبة وخلاص؟ عاوزة تخربي بيتنا من أول يوم؟”
“أنا اللي بخرب؟” ندى ضحكت بهستيريا. “كريم، أنت بصيت في المراية؟ أنت شكلك ميت! أنت خايف منها ليه؟”
كريم مسكها من كتفها وهزها بالراحة، وصوته نزل للوشوشة: “ندى.. لو بتحبيني بجد، ما تسأليش. كلي، واشربي، وعيشي حياتك، وأي حاجة تشوفيلها بقعة.. امسحيها ولا كأنك شفتيها. أمي مش زي ما إنتِ فاكرة.. أمي لو حسيت إنك بتنبشي وراها، مش هترحمك. ولا هتقدر تحميكي مني.. قصدي مش هقدر أحميكي منها!”




