
على الساعة أربعة العصر، البيت بقى فاضي تماماً. الأب، حاج متولي، كان راجل ساكت طول الوقت، قاعد في البلكونة بيمسك السبحة وما بيتكلمش غير بكلمتين. سعاد كانت في المطبخ بتجهز غدا العرسان بنفسها، ورفضت تماماً إن ندى تد any help (تساعدها).
ندى استغلت إن كريم دخل يستحمى، وسعاد في المطبخ، ونزلت تحت الشقة، في الدور الأرضي. البيت كان بيت عيلة قديم في منطقة المطرية، مكون من ثلاث دور. الدور الأول مقفول من سنين، دور شقة المرحوم عم كريم.
ندى كانت عارفة إن فيه حاجة مش مظبوطة. المفاتيح كانت متعلّقة في مدخل الشقة فوق. سحبت سلسلة المفاتيح القديمة من غير ما حد يحس، ونزلت على السلم ببطء شديد، حافية القدمين عشان ما تطلعش صوت.
حطت المفتاح في باب الشقة المجهورة بالدور الأرضي. التكة كانت عالية في الهدوء، قلبها كان بيدق في زلقت حنجرتها. فتحت الباب بالراحة.
ريحة التراب والعفن والفرش القديم ضربت في وشها. الشقة كانت متغطية بملاءات بيضا على العفش، زي المشاهد بتاعة أفلام الرعب. مشيت بالراحة، التليفون في إيدها ومشغلة الكشاف.
دخلت الصالة، وبعدين أوضة النوم الرئيسية. على التسريحة القديمة، كان فيه صور متتربة. رفعت صورة منهم ومسحت التراب بصباعها. كانت صورة لعيلة كريم القديمة. أبوه، وأمه سعاد وهي صغيرة، وكريم وهو طفل.. وكان فيه ولد تاني، أقدم من كريم بشوية، يشبه كريم جداً بس عينيه كانت أوسع.
“عمرو..” ندى افتكرت الاسم. كريم كان قايلها قبل الجواز إن كان ليه أخ أكبر ومات وهو صغير بحمى شوكية.
بس لما بصت في بقية الصور، لقت دفتر مذكرات قديم غلافه جلد جربان، محطوط في درج التسريحة المفتوح نص فتحة. فتحت الدفتر تحت ضوء الكشاف. الخط كان خط ست كبيرة، مشربك ومكتوب بفرشة حبر أسود.
قرأت أول صفحة:
“الولد ده مش هيطلع برة حضني. زي ما عملت مع عمرو لما حاول يهرب، هعمل مع كريم. الدم هو الرباط الوحيد اللي ما بيتفكش. لو دخلت بيناتنا واحدة غريبة، القربان لازم يتقدم.”
ندى جسمها قشعر. قلبت الصفحات بسرعة. الكلام كان بيتحول لكوابيس:
“الشيخ قال لي طالما الدم بيسيل كل فترة من نفس السلة، العقل هيفضل خفيف، والجسم هيفضل ملكي. كريم فاكر إن جاله صرع وهو صغير، مش عارف إن الشربات اللي بيشربه من إيدي هو اللي بينيمه ويخليه يوقع. يوم فرحه هو يوم الحساب. السرير الأبيض لازم يشرب.”
ندى شهقت من الرعب. الدفتر وقع من إيدها على الأرض.
الدم اللي كان على السرير إمبارح.. مكنش دم سعاد بس، ومكنش حادثة. سعاد كانت بتعمل حاجة لكريم! حاجة بتستنزفه، بتخدره وبتاخد منه دم، أو بتجرحه عشان تستمر السيطرة النفسية والجسدية عليه! الشاش اللي على ذراع سعاد كان عشان هي نقلت دم؟ ولا جرحت نفسها معاه في طقس مريض؟
وفجأة، سمعت صوت خطوة خفيفة وراها.
تصلبت مكانها. الكشاف كان ضرب على الحيطة قدامها، وشافت خيال واقف في باب الأوضة.
“كنت عارفة إنك فضولية زياد عن اللزوم يا ندى.”
صوت سعاد كان هادي جداً، أقرب للهمس، بس يقطع العرق والدم.
ندى لفت بسرعة، ضهرها للحيطة، ورفعت التليفون في وش سعاد. “إنتِ.. إنتِ بتعملي إيه في كريم؟ إنتِ مريضة! إنتِ موتي ابنك الأولاني؟”
سعاد كانت واقفة في الضلمة، باين بس نص وشها المبتسم، وفي إيدها اليمين كانت ماسكة سرنجة كبيرة عريضة، وفي إيدها الشمال سكينة مطبخ رفيعة بتاعة التشفية.
“عمرو كان عايز يسافر ألمانيا..” سعاد قالتها وهي بتقدم خطوة ببطء شديد. “كان عايز يسيبني هنا لوحدي مع أبوه الخايب اللي مابيفهمش حاجة. قلت له بلاش يا عمرو، الأم هي الأصل. ما سمعش الكلام.. فتعب. وتعب أوي لحد ما ارتاح.”
“إنتِ قتلتيه!” ندى صرخت، بس صوتها طلع مكتوم من الخوف.
“ما قتلتوش.. أنا احتفظت بيه معايا هنا،” سعاد أشارت براسها لزاوية في الأوضة، كان فيها صندوق خشب كبير مقفول بقفل قديم. “وكريم حبيبي، كان هيضيع مني إمبارح. كنتِ بتاخديه مني يا ندى. كان لازم أضمن إنه يفضل تحت رجلي. المخدر اللي في العصير بياخد وقته، بس قطرة الدم على السرير في ليلة الدخلة بتمسك الروح.”
“كريم عارف؟” ندى كانت بتبكي، دموعها نازلة على وشها وهي بتدور على أي مخرج.
“كريم فاكر إن عنده مرض في الدم بيجيله كل نوبة صرع،” سعاد ضحكت، والضوء انعكس على عينيها اللي كانت واسعة بطريقة مش طبيعية. “هو بيصحى يلاقيني بعالجه وبغيرله على الجرح، فيحبني أكتير.. ويعتمد عليا أكتر. إنتِ بقى يا حلوة.. كنتِ الدخيلة. إمبارح كان المفروض آخد نقطتين منك إنتِ كمان عشان تبقي مع المزيج، بس إنتِ نزلتي نَمتِ تحت ووفرتي عليا محاولة خنقك.”
سعاد رفعت السكينة والسرنجة، وقربت خطوتين خطوة واحدة. “دلوقتي، مفيش حد هيسمعك. الشقة دي معزولة، والحاج فوق نايم بالحبوب اللي بحطهاله في الشاي، وكريم بيستحمى ومش هيسمع حاجة.”
ندى بلعت ريقها، عينيها لقطت مزهرية نحاس ثقيلة على التسريحة جنب الدفتر.
“سعاد..” ندى قالتها بصوت مرعوب، بس ثابته. “كريم مش غبي.”
“كريم بتاعي!” سعاد صرخت وفجأة هجمت بالسكينة.
في نفس اللحظة، ندى وِطت تحت إيد سعاد، ومسكت المزهرية النحاس بكل قوتها، وضربت بيها على ذراع سعاد المصاب، بالضبط على الشريط الأبيض والشاش!
سعاد صرخت صرخة مكتومة من الوجع الشديد، السكينة وقعت من إيدها ورنت على الأرض. ندى ما استنتش، زقتها بكل قوتها. سعاد وقعت على الصندوق الخشب القديم، ورأسها خبطت في القفل.
ندى جريت على الباب، طلعت تجري على السلم وهي بتصرخ: “كريييييم! كريم الحقني!”
طلعت الشقة فوق، كان كريم طالع من الحمام، لافف الفوطة على وسطه وشعره مبلول. اتخض لما شاف ندى بالمنظر ده، وشها أصفر وهدومها متتربة وبتترعش.
“ندى! فيه إيه؟ مالك؟”
“أمك.. أمك تحت في الشقة القديمة!” ندى كانت بتتكلم وهي بتمسك فيه، دموعها نازلة بغزارة. “أمك قتلت أخوك عمرو! أمك بتخدرك كل فترة وبتسحب منك دم وبتقنعك إنك عيان! هي اللي عملت كده إمبارح، هي كانت عايزة تقتلني!”
كريم بص لندى بذهول، وبعدين ملامحه اتغيرت. الغضب والإنكار ظهروا على وشه. “إنتِ اتجننتِ؟ إنتِ بتقولي إيه على أمي؟ إنتِ نزلتِ الشقة تحت ليه أصلاً؟”
“تعال وشوف بنفسك!” ندى شدته من إيده بعنف. “تعال شوف الدفتر وشوف السرنجة والسكينة اللي كانت هتدبحني بيها!”
كريم، وهو مش مصدق ومصدوم، نزل معاها على السلم بسرعة. ندى كانت خايفة ترجع، بس كانت عارفة إن دي فرصتها الوحيدة للنجاة، إن كريم يشوف الحقيقة بعينيه.
وصلوا باب الشقة المقفول نص فتحة. كريم زق الباب ودخل، وندى وراه، مسكة حتة خشبة لقيتها على السلم.
الأوضة كانت ضلمة.
كريم ولع النور القديم اللي كان بينور بضوء أصفر ضعيف يترعش.
الأوضة كانت فاضية!
مفيش سعاد على الأرض.. مفيش سرنجة.. مفيش دفتر على الأرض!
التسريحة كانت مقفولة، والصندوق الخشب كان في مكانه، ومفيش أي أثر لأي خناقة.
ندى وقفت مكانها، دماغها بيلف. “لا.. لا! هي كانت هنا! كانت ماسكة سكينة وسرنجة، وكانت لافة شاش على إيدها الشمال!”
وفجأة، طلعت سعاد من المطبخ القديم اللي في آخر الطرقة.
كانت ماسكة صينية عليها كباية مية وعلبة دواء. وشها كان طيب، عينيها مليانة دموع، وكانت لابسة الجلابية البيت العادية، وذراعها الشمال.. مكنش عليه أي شاش! كان عريان تماماً، ومفيش فيه أي جرح ولا أي بقعة!
كريم بص لأمه، وبعدين بص لندى بصة مرعبة.
“ندى..” سعاد قالتها بصوت حزين ومكسور، ورجلها بتترعش. “أنا نزلت أجيب دواء الضغط بتاعي من الشقة تحت لما حسيت بدوخة.. لقيت ندى نازلة ورايا، وبتبصلي بغل، وفجأة بدأت تصرخ وتقولي إنتِ قتلتِ عمرو، ورمت المزهرية عليا وجريت.. أنا خفت منها يا كريم.. مراتك مش طبيعية!”
“كدابة!” ندى صرخت وهي بتقدم على سعاد. “إنتِ كدابة! إنتِ شيلتِ الشاش بسرعة! إنتِ خبيتِ الدفتر!”
كريم مسك ندى من ذراعها بقوة، وعصر إيدها. عينيه كانت حمرا من الغضب. “بس! كفاية بقى! إنتِ اتجننتِ رسمي؟ أمي اللي مربياني هترمي عليها التهمة دي؟ أخويا مات بحمى في المستشفى والمستندات موجودة فوق! إنتِ من أول ما دخلتِ البيت ده وإنتِ بتكرهي أمي وعايزة تبعديني عنها!”
“كريم، صدقني!” ندى مسكت فيه وهي بتبكي بحرقة. ” افتح الصندوق الخشب ده! افتحه وشوف فيه إيه! افتح الدرج وشوف الدفتر!”
كريم زق ندى بعيد عنه. “مش هفتح حاجة! إنتِ اللي هتطلعي فوق دلوقتي، ومش هتمشي من البيت ده غير لما تخفي من الجنان اللي إنتِ فيه ده!”
سعاد كانت واقفة ورا كريم، بصت لندى من فوق كتفه.
وفي لحظة خاطفة، لما كريم كان بيلف ضهره لندى عشان يطلعها فوق.. سعاد رفعت إيدها الشمال، وحركت صوابعها.
تحت الجلد الناعم للذراع الشمال.. كان فيه خط خياطة طبي رفيع جداً ومخفي بميك أب خافي عيوب ثقيل (Concealer)، سعاد حطته في الثواني اللي ندى راحت فيها تجيب كريم! وابتسمت لندى نفس الابتسامة الشمتانة.
ندى اتجمدت مكانها. هي مكنتش بتتعامل مع مجرد ست مريضة نفسي.. هي كانت بتتعامل مع شيطان حاسب كل خطوة بالملي، وعارف إزاي يخلي العاقل يتجنن.
طلعت ندى الأوضة فوق وكريم قفل عليها الباب بالمفتاح من برة.
“هتقعدي هنا لحد ما أهلك ييجوا بكرة ونشوف هنعمل إيه في المصيبة دي!” كريم قالها من برة الباب وصوت خطواته ابتعدت.
ندى قعدت على الأرض، ضامة ركبها لصدرها في الضلمة. الصمت كان قاتل.
بعد نص ساعة، سمعت صوت حركة خفيفة تحت الباب.
ورقة بيضا اتزحلت من تحت الباب ودخلت الأوضة.
ندى زحفت ببطء ورفعت الورقة. كانت مكتوبة بخط الحبر الأسود المشربك:
“كريم شرب العصير بتاعه خلاص وهو نايم دلوقتي جنبك في الطرقة.. المفتاح معايا. والصندوق اللي تحت؟ الصندوق مش فيه جثة عمرو يا ندى.. الصندوق ده أنا مجهزاه ليكي إنتِ من يوم ما خطبتيه. بكرة أهلك هييجوا، وهنقولهم إن جاتلك حالة نفسية وجريتِ في الشارع ومحدش قادريلاقيكي.. جهزي نفسك، العيلة بتكبر بيكي.”
وفجأة، سمعت صوت تكة المفتاح وهو بيلف في باب الأوضة ببطء شديد.. والباب بدأ يتفتح.




