منوعات

د العربيه السوداء

نيرمين صرخت بصوت مكتوم وهي بتمسك دراعه، بس وائل نفض إيدها بعنف لدرجة إنها رجعت خطوتين لورا وكادت تقع على الكوشة. المعازيم اللي حواليهم سكتوا فجأة، والدي جي لاحظ إن في حاجة مش طبيعية، فوطي الصوت بالتدريج لحد ما القاعة كلها بقت زي المدافن.

— التليفون ده فيه إيه؟.. أنتي مين؟

صوت وائل خرج مبحوح، مليان وجع وقهر وخيبة أمل تكسر الحجر. رفع التليفون في وشها وشغل الإسبيركر، والصوت طلع عالي، مالى القاعة كلها: “أنا هخليه يبيع أمه وأهله… الواد مغفل وبيموت فيا”.

الكل سكت. عماته وخالاته وقفوا مبرقين، وأم نيرمين اللي كانت قاعدة في أول صف وشها جاب ألوان وحست إن ضغطها علي وفجأة لفت وشها الناحية التانية. نيرمين نفسها اتسمرت في مكانها، الصدمة شلت لسانها، والمكياج الإستجرامي الشيك بدأ يسيل مع أول نقطة عرق بارد نزلت من جبينها.

— وائل.. اسمعني.. ده.. ده تركيب! والله العظيم ده فوتوشوب ومقاطع متقاطعة عشان يبوظوا فرحتنا! دي أمك! أكيد أمك هي اللي عاملة اللعبة دي عشان تنتقم مني!

نيرمين بدأت تصرخ ودموعها تنزل، وتحاول تمسك إيده تاني، بس وائل كان خلاص عمي من الغضب. القهر اللي جواه على أمه اللي طردها من شوية، والندم اللي نهش قلبه في ثانية واحدة، تحول لبركان ثاير.

— أمي؟ أمي اللي وقفتها برة وخليت الأمن يمنعها؟ أمي اللي شقيت عشان تعملني راجل وأنا رحت بعتها عشان واحدة زيك؟

وائل صوته رعد في القاعة، وبدون أي مقدمات، رفع إيده ولطشها قلم على وشها طير الطرحة البيضا من على راسها، ونزلها الأرض وسط صريخ أمها وأخواتها. القاعة اتقلبت لمصيدة فئران، قرايب نيرمين جريوا عليه، وأصحاب وائل وولاد عمه دخلوا في النص، والضرب والشتيمة بقوا هما سيد الموقف. الكراسي اتقلبت، والورد الأبيض اللي كان مالي المدخل ديس بالرجلي، والفرح الشيك الاسطوري تحول لخناقة شوارع في ثانية واحدة.

وائل ساب المعمعة دي كلها، وقلع جاكت البدلة الرمادي الغالي ورماه في الأرض، وخرج يجري في الشارع زي المجنون. كان بيدور على عربيتي، كان بيبص يمين وشمال في الزحمة ويصرخ بأعلى صوته: “أمييييي! يا أمي ارجعي! أنا آسف يا أمي!”. بس أنا كنت خلاص بعدت، كنت وصلت لبيتي القديم، البيت اللي دايماً دافي ودايماً بيستقبلني.

دخلت شقتي، قلعت الفستان الكحلي، ولبست جلابيتي البيتي المريحة، وعملت كوباية شاي كشري وقعدت في البلكونة. الهوا بتاع بليل كان جميل وبيغسل الهموم. تليفوني بدأ يرن، مكالمات من كل العيلة، من عمت وائل وخاله وكل اللي كانوا واقفين يتفرجوا، بس أنا ما ردتش على حد. أنا قفلت التليفون خالص وحطيته على الترابيزة.

بعد حوالي ساعة، سمعت خبط هادي ومكسور على الباب. خبط واحد جايب آخره ومش قادر حتى يرفع إيده.

قمت بالراحة، فتحت الباب، لقيت وائل واقف قدامي. قميصه الأبيض مقطوع من عند الكتف، وعينيه حمرا زي الدم من كتر العياط، وجزمته مليانة تراب. أول ما شافني، انهار تماماً ونزل على ركبه في الأرض، ومسك رجلي وبدأ يبوسها وهو بيشهق بالبكاء:

— سامحيني يا أمي.. حقي برقبتي.. أنا جزمتك فوق راسي.. أنا كنت أعمى.. كنت غبي.. أنقذتيني من مصيبة، بس أنا كسرت قلبك.. سامحيني يا أمي وماتطردنيش.

أنا بصيتله من فوق، قلبي كأم حن، بس عقلي قالي “لا، الوجع كان كبير ولازم يتعلم الأدب”. ما نزلتش لمستواه ولا طبطبت عليه، رجعت خطوة لورا وسحبت رجلي من بين إيديه بكل هدوء.

— قوم يا وائل، قوم على حيلك، أنا ما بطردش حد، بس أنت خلاص اخترت طريقك من زمان، واللي بيبع أمه عشان خاطر قرشين أو واحدة، مابيرجعش يلاقي الحضن دافي زي الأول.

وائل بصلي بكسرة ودموعه نازلة: “يعني إيه يا أمي؟ مش هيرجع ليا مكان هنا؟”

ابتسمتله نفس الابتسامة الهادية وقلتله بصوت حاسم: “المكان موجود، بس الثقة ماتت.. ادخل اغسل وشك، ووريني ورقة طلاق البنت دي بكرة الصبح، وبعدها نبقى نشوف إذا كنت تستاهل تكون ابني تاني ولا لأ.”

وائل دخل الشقة وهو دحلان وراسه في الأرض، وأنا رجعت قعدت في البلكونة، أشرب الشاي اللي برد، وباصة للسما، وعارفة إن الليلة دي كانت نهاية نيرمين، بس كانت برضه بداية اختبار حقيقي لابني.. اختبار هعرف منه إذا كان فعلاً ندم، ولا الوجع لسه ما علموش الأدب كفاية.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى