عام

د كريم شد كرسي المكتب

— شريف السلاب هيقف على المسرح، والأنوار كلها عليه، وبدل ما تظهر خريطة المشروعات الجديدة بتاعة الشركة.. هيظهر على الشاشات الكبيرة ورق تحويل الأموال، وعقود بيع الفيلا لعيل عنده خمس سنين، وصور شريف وياسمين في الفنادق، وتقارير الخبراء اللي بتثبت تزوير التوكيل وتدليس العقود اللي بيمضيها من ورا مجلس الإدارة. الفضيحة مش هتبقى في أوضة مقفولة.. الفضيحة هتبقى بث مباشر قدام المستثمرين والبورصة والماركت كله. في اللحظة دي، أسهم شريف هتقع في الأرض، والمستثمر هيهرب، وبدل ما يطلقك ويرميكي.. هو اللي هيترمي في السجن بتهمة غسيل الأموال والتزوير والإضرار بأموال المساهمين.

الكلام كان تقيل، بس كان زي البلسم على جرحي. بصيت لكريم وقولت له:

— وأنا دوري إيه في الفيلم ده يا كريم؟ أنا مش هقعد أتفرج بس.

كريم ابتسم وقال:

— دورك يا أمي.. إنك من بكرة الصبح ترجعي الست ميرفت السلاب القوية. تلبسي أحسن ما عندك، وتروحي لـ شريف المكتب، وتتعاملي كأنك مش عارفة أي حاجة. اطلبي منه فلوس عشان تشتري فستان للمؤتمر، وقولي له إنك فخورة بيه وعايزة تقعدي في الصف الأول.. عشان لما الضربة تيجي، يشوف وشك وإنتي بتضحكي وهو بيقع.

تاني يوم الصبح، النور كان طالع بـشكل مختلف. لبست طقم فورمال شيك جداً، وحطيت روج أحمر مكنتش حطيته من سنين، ونزلت على مقر شركة “الأفق” في الدقي. لما دخلت، الموظفين كلهم وقفوا انتباه، الوجاهة والهيبة بتاعة زمان رجعت لي في خطوتي.

وصلت للدور الأخير، وأول ما شوفت ياسمين قاعدة ورا مكتب السكرتارية، حست برعشة غضب بس كتمتها. كانت لابسة غوايش دهب تقيلة، وبتتكلم في التليفون بدلع، بس أول ما شافتني، وشها اتقلب وجابت ألوان، وقفت بسرعة وقفلت السكة:

— مدام ميرفت! أهلاً وسهلاً بحضرتك.. يا فتاح يا عليم.. أقصد نورتي الشركة يا فندم. شريف بيه في اجتماع بس هبلغة فوراً.

بصيت لها من فوق لتحت، ركزت في الشنطة اللوي فيتون اللي كانت حطاها ع المكتب، نفس الشنطة اللي شوفتها معاها في المول. ابتسمت لها ابتسامة عريضة وباردة:

— لا ولا يهمك يا ياسمين، متقاطعيش الاجتماع. أنا هقعد أستناه هنا.. بس قوليلي، الشنطة دي ذوقها عالي أوي، تمنها يجي له كام شهر من مرتبك هنا في السكرتارية؟

ياسمين بلعت ريقها وبقت تفرك في إيدها بتوتر:

— دي.. دي هدية من أختي اللي في الخليج يا فندم.

— أه.. أختك اللي في الخليج. ماشي يا حبيبتي، ربنا يخلي لك “أختك”. اطلبي لي قهوة مظبوطة لحد ما البيه يخلص.

بعد عشر دقائق، باب المكتب اتفتح وشريف طلع ومعه اتنين من المهندسين. أول ما شافني، ملامحه اتصلبت لثانية، بس بسرعة رسم الابتسامة الدبلوماسية بتاعته وجاء عليا يبوس إيدي:

— ميرفت! حبيبتي.. إيه المفاجأة الحلوة دي؟ مش عوايدك تيجي الشركة من غير ما تقولي.

— قولت أجي أبارك لك يا شريف على المؤتمر بتاع يوم الأحد. أنا فخورة بيك أوي يا حبيبي، وعايزة أبقى جنبك وإنت بتوقع أكبر صفقة في تاريخ الشركة. وجيت أخد منك فيزا المشتريات عشان الفستان اللي هحضر بيه لازم يكون يليق بمقام رئيس مجلس الإدارة.

شريف بص لـ ياسمين بنظرة سريعة ميفهمهاش غيرهم، وبعدين لف ليا وهو بيضحك:

— طبعاً يا حبيبتي، من عينيا. ياسمين، هاتي الفيزا السيلفر من المحفظة اللي جوة واديها للمدام. بس إنتي عارفة يا ميرفت، المؤتمر ده هيبقى زحمة وفي رجال أعمال وأجانب، وممكن تتلقي نفسك زهقانة وسط الكلام الجاف بتاع البيزنس.. مكنش فيه داعي تتعبي نفسك.

قربت منه خطوة، عدلت له ياقة قميصه بـإيديا، وقولت له بصوت واطي ومسموع في نفس الوقت:

— تعبك راحة يا شريف.. وبعدين أنا بقالي عشرين سنة مستنية اللحظة دي.. لحظة ما أشوفك وإنت بتاخد جزاء تعبك وكل واحد بيرجع لمكانه الطبيعي. أنا لازم أكون في الصف الأول يا حبيبي.. مش هفوت المشهد ده أبدًا.

شريف حس بنبرة غريبة في كلامي، عينيه ضيقت بشك:

— ميرفت.. إنتي مالك النهاردة؟ حاسس إن فيكي حاجة متغيرة.

ضحكت بدلع:

— المتغير هو الفستان اللي هشتريه.. يالا اسيبك لشغلك يا بشمهندس، نتقابل في البيت.

أخدت الفيزا ومشيت، وأنا نازلة في الأسانسير، كلمت كريم:

— كله تمام يا كريم.. شريف بلع الطُعم، وهو وياسمين فاكرين إني هبلة ورايحة أشتري فستان عشان أتمنظر بيه.

— برافو يا أمي.. اجهزي، بكرة السبت السكوت اللي قبل العاصفة، والأحد العرض الأخير للسلاب.

يوم الأحد.. الساعة السابعة مساءً.

قاعة الفورسيزونز كانت بتبرق من الفخامة. الثريات الكريستال، السجاد الأحمر، الفلاشات بتاعة المصورين اللي مابتفصلش. شريف كان واقف في وسط القاعة لابس بدلة سموكنج سوداء، وحواليه رجال أعمال كبار ومستثمرين عرب، وكان بيتكلم بثقة وغرور كأنه ملك اللعبة. ياسمين كانت واقفة على بعد خطوات، لابسة فستان سواريه مكشوف ومبالغ فيه، وبتتحرك وسط المنظمين كأنها صاحبة الفرح، وعينيها كانت بتطق شرار كل ما تبص عليا.

أنا كنت قاعدة في الصف الأول، لابسة فستان أسود كلاسيك سمبل جداً، ورافعة شعري لفوق، وواقف جنبي كريم اللي كان لابس بدلة شيك ومبتسم بهدوء.

المذيع الداخلي أعلن عن بدء الفاعلية:

“والآن، مع الكلمة الرئيسية لـرئيس مجلس إدارة مجموعة الأفق للمعمار، البشمهندس شريف السلاب، ليعلن عن الشراكة الاستراتيجية الجديدة.”

التصفيق هز القاعة. شريف طلع على المسرح بخطوات واثقة، وقف ورا المايك، وابتسم للكاميرات. شاور بـإيده عشان الشاشة الكبيرة اللي وراه تفتح ويدأ العرض.

— السادة الحضور، شركائي في النجاح.. اليوم لا نعلن فقط عن دمج شركتين، بل نعلن عن ولادة عملاق عقاري جديد في الشرق الأوسط. “مجموعة الأفق” طالما كانت رمزاً للأمانة والشفافية والاستثمار الحقيقي..

في اللحظة دي، شريف لف بضهره عشان يشاور على الشاشة اللي المفروض يظهر عليها لوجو الشراكة الجديد.

الشاشة ريشت لثواني.. وبعدين النور الأبيض العنيف بتاعها نور القاعة كلها.

بس مظهرش لوجو الشركة.

ظهرت صورة ضخمة، بـأعلى جودة، لـ شريف وهو شايل عيل صغير في “كايرو فيستيفال”، وجنبه ياسمين المنشاوي وهي مأبطة دراعه، وتحتها مكتوب بالخط العريض: “الشفافية في الحياة السرية لرئيس مجلس الإدارة”.

القاعة كلها سكتت حتة واحدة. همهمات وهمسات بدأت تطلع زي فحيح التمساح. شريف وشه اتقلب، وبص للمنظمين ورا المسرح وهو بيشاور بإيده بـعصبية:

— في إيه؟ إيه الغلط ده؟ غيروا السلايد!

لكن السلايد مغيرتش بالشكل اللي هو عايزه. الشاشة قلبت على طول، وظهرت وثيقة رسمية: عقد بيع فيلا الشيخ زايد من شريف السلاب لابنه القاصر “يوسف شريف السلاب”، وبولاية طبيعية من والدته “ياسمين المنشاوي”.

الهمهمات بقت أصوات عالية. المستثمر الخليجي اللي كان قاعد في الصف الأول جنبي وقف ونظاراته نزلت على مناخيره وهو مش مصدق.

شريف بدأ يعرق، وصوته في المايك اتهز:

— يا جماعة.. في عطل فني.. في هاكر.. اقفلوا الشاشات! اقفلوا النور!

لكن كريم كان قافل السيستم كله من غرفته التحكم، ومحدش كان قادر يلمس زرار واحد.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى