
مسكت التليفون وأنا حاسة بدمي بيغلي، بس المرادي مش من الوجع.. المرادي من النشوة. طعم الانتصار كان ألمع وأقوى من أي حزن حسيت بيه ليلة ما طردني أبويا من بيته.
رديت على أمي بصوت أبرد من الثلج:
— يا سبحان الله يا أمي! مش ده الراجل الحافي اللي كان بيوسخلكوا السجاد بدمه وتعبه؟ مش ده اللي أبويا قال عنه ميعرفش الأصول ولا يسوى في سوق الرجال قرش؟ جاية دلوقتي تطلبي مساعدته؟
أمي بدأت تعيط، صوتها كان يتكتك في السماعة من كثر الرعب:
— يا مريم يا بنتي عشان خاطري.. أبوكي هيترمي في السجن! شريف جوز أختك كان كاتب كمبيالات وشيكات بدون رصيد باسم أبوكي عشان يغطي مصاريف الفشر والعربية الجديدة والتظاهر بالنعمة اللي مكنتش حقيقية. البنك رفع قضية وشريف هرب وساب ندى أختك مش عارفة تروح فين. أبوكي هيتنسخ في المحاكم يا مريم!
ابتسمت ابتسامة صغيّرة، وبصيت لمصطفى اللي كان قاعد على مكتبه الفخم في مركز الخدمة الجديد، بيلبس ساعته ويدقق في تقارير أرباح الشهر. شاورتله بكتفي، ففهم اللعبة.. أشرلي بايده إني أكمل.
قلت لأمي بمنتهى الثبات:
— أنا مش هاجي عندكوا البيت يا أمي.. ولا مصطفى هيدخل فيلا التجمع تاني. لو أبويا عايز ينقذ رقابته من السجن، يلم نفسه هو وندى وأجوزها شريف الهربان ده، ويجولي بكره الساعة تسعة الصبح في مركز “العز” لخدمة السيارات في المنطقة الصناعية.
أمي اتصدمت:
— مركز “العز”؟! ده أكبر مركز صيانة في القليوبية كلها! أنتي بتشتغلي هناك يا مريم؟
— رديت وأنا بأقفل المكالمة: لما تيجوا هتعرفوا كل حاجة.
تاني يوم، الساعة تسعة بالظبط، كنت واقفة في المكتب الزجاجي المكيف اللي بيطل على صالة الصيانة الضخمة. ١٢ الباكية المجهزين بأحدث الرافاعات الهيدروليكية، والمهندسين والعمال ملزومين بزيهم الموحد، وصوت المعدات الشغالة بانتظام زي الساعة.. منظر يرد الروح ويشهد على الشقا.
من الشباك الزجاجي، شفت عربية أبويا القديمة بتدخل من البوابة. نزلت منها أمي ووشها أصفر، وأبويا طالع خطوتين وراجع خطوة، كبرياؤه المكسور بيسحله على الأرض، ووراه ندى أختي اللي كانت زي الفراخ المبلولة، لبسها ماركات بس عينها مكسورة وتعيط من غير صوت.
دخلوا السكرتارية، والسكرتيرة وجهتهم لمكتبي.
أول ما فتحوا الباب ودخلوا، أبويا بص للغرفة.. الأثاث المودرن، اللوحات، الدروع اللي واخدينها من شركات السيارات العالمية.. وبصلي أنا وأنا قاعدة ورا مكتب أبنوس ضخم.
أبويا بلع ريقه وقال بصوت مبحوح حاول يخليه متماسك:
— أنتي.. أنتي شغال هنا مديرة الحسابات ولا إيه يا مريم؟
وقفت من ورا المكتب، حطيت إيدي في جيوب بنطلوني القماش الفخم، وبصيتله في عينيه بنفس النظرة اللي بصيتهاله ليلة ما طردني:
— لا يا بابا.. أنا مش شغال هنا. أنا ومصطفى أصحاب المكان ده بالكامل. الأرض، والمبنى، والمعدات، والاسم التجارى.
ندى أختي فتحت بؤها بصدمة، وأمي حطت إيدها على قلبها، وأبويا رجع خطوة لورى وكأنه أكل ضربة قلم على وشه.
في اللحظة دي، باب المكتب اتفتح ودخل مصطفى.
مكنش لابس قميص مشحم ولا بنطلون مقطع زي ما كانوا فاكرين.. كان لابس بدلة كحلي أنيقة جداً، بس ملامحه كانت حادة وثابتة زي الصخر. دخل وقعد على الكرسي اللي قصادهم من غير ما يسلم ولا يقول صباح الخير.
أبويا بص لمصطفى.. الراجل اللي طرده، الراجل اللي قال عليه “حافي”، دلوقتي هو الوحيد اللي يملك المفتاح اللي ينجيه من ظلام السجن.
أبويا قرب من ترابيزة مصطفى وصوته بيترعش:
— مصطفى يا بني.. أنت عارف إن السوق فيه الصاعد والهابط، وشريف جوز ندى خان ثقتي وورطني في كمبيالات بـ ٤ مليون جنيه.. والبنوك والشركات نازلة أحكام ضد بيتي وأملالي. أنا جيتلك بصفتك ابن أصول.. تسلفني المبلغ ده وأنا هكتبلك الفيلا رهن.
مصطفى رفع عينيه بهدوء، وسحب نفس عميق وقال بصوت جاف هز أركان الأوضة:
— أنا مش بنك يا حاج رجب.. ولا بأسلف فلوس بالربا ولا بالرهن. وبعدين، هو مش حضرتك قلت إن الصبي الميكانيكي ده ميعرفش الأصول ولا يعتمد عليه؟ مش قلت لإبني سليم إني فقير وحافي؟
أبويا نزل راسه الأرض من الخزي.. كبرياؤه كله اتمسح بأسفلت المنطقة الصناعية.
— أنا غلطت يا مصطفى.. كنت مغمى على عيني بالظاهر.. عشان خاطر مريم، وعشان خاطر ابنك سليم.. أنقذني.
مصطفى بصلي، وأنا هزيت راسي بالرفض الخفيف.. الوجع اللي حسيت بيه ليلة ما ابني بكى في حضني مكنش ينفع يتقدر بكلمة “أنا غلطت”.
مصطفى فتح الدرج وسحب ملف أسود وحطه على الترابيزة:
— أنا هشيل عنك الديون دي كلها يا حاج رجب.. وهسدد الـ ٤ مليون جنيه للبنك وللدائنين قبل ما المحكمة تنطق بحكم الحبس بكره الصبح.. بس بشرط واحد.
أبويا رفع راسه بلهفة:
— شرط إيه؟ أنا موافق على أي حاجة!
مصطفى ابتسم ابتسامة حادة:
— الفيلا بتاعتك في التجمع الخامس.. هتنازل عنها باسم مريم وباسم سليم ابنها.. وأنت وندى وهانم هتاخدوا الشقة الصغيرة اللي في السيدة عائشة اللي حضرتك تريقت عليها زمان، تعيشوا فيها. والكمبيالات اللي هسددها، هتبقى دين عليك لصالح شركتنا.
ندى صرخت:
— أنتوا عايزين تاخدوا فيلتنا ونقعد في شقة في حي شعبي؟! أنت بتنتقم منا؟!




