
الدكتورة لفت الشاشة ناحيتي أكتر، وجسمي كله اتصلب. أمي كانت واقفة ورايا، كبست على كتفي بـإيدها اللي بتترعش وهي بتهمس بآيات قرآنية وصوتها طالع بالعافية من الخضة. الشاشة كانت عبارة عن خطوط بيضا متداخلة في ضلمة الأوضة، بس الدكتورة شاورت بصابعها على تلات نقط واضيين زي النجوم في سما كاحلة، وقالت بنبرة ذهول وصوتها طالع فيه بحة: “سمر.. إنتي مش حامل في طفل واحد.. ولا اتنين.. دول تلات توائم! وبسم الله ما شاء الله، النبض في التلاتة شغال وممتاز، بس المشكلة مش هنا.. المشكلة في عمر الأجنة اللي قدامي على الشاشة!”
أنا السقف لف بيا، وحسيت إن الأوكسجين اتقطع عن الأوضة تماماً. تلاتة؟ تلاتة حتة واحدة؟ في الوقت اللي جوزي رماني فيه في الشارع وشهّر بيا وسط الحتة وباعني عشان فاكر إن اللي في بطني ده مش ابنه؟ بس كلام الدكتورة الأخير رعبني، سألتها وصوتي طالع زي حشرجة الموت: “يعني إيه يا دكتورة؟ عمرهم ماله؟” الدكتورة داليا عدلت نظارتها، وبصت للشاشة وعملت زووم، وقالت وهي بتكتب المقاسات على الكيبورد: “الأجنة دي عمرها تمن أسابيع وتلات أيام بالضبط.. يعني شهرين وشوية.. سمر، الحمل ده حصل في نفس الأسبوع اللي جوزك عمل فيه العملية، أو يمكن قبلها بيومين! علمياً وطبياً، الحيوانات المنوية بتفضل عايشة ونشطة في القنوات لمدة بتوصل لـتلات شهور بعد الربط، وده السبب اللي بيخلينا نطلب من المريض يستنى ويعمل تحليل سائل منوي للتأكد.. الحمل ده من جوزك بنسبة مية في المية، والتلاتة أولاده شرعاً وقانوناً وطباً!”
أمي لوت دراعها ورا ضهرها وقعدت على الكرسي وهي بتعيط وتكبر: “الله أكبر! ظهر الحق وزهق الباطل! يا حبيبتي يا بنتي.. ربنا نصرك ونزل لك النصر تلات مرات مش مرة واحدة! ربنا كسر مناخيره الكدابة!”.. أنا مكنتش سامعة عياط أمي ولا مبركات الدكتورة، أنا كنت سامعة صوت أحمد وهو بيقول لي في الصالة ‘الكلاب كمان بتعرف تحلف’، كنت فاكرة شكل ورقت طلاقه أو رسالته القذرة وهو بيقول لي ‘خلي اللي نام معاكي يصرف عليكي’. الدموع نزلت من عيني سخنة، حرقت خدي، بس مكنتش دموع قهر.. دي كانت دموع نار بتتحضر عشان تحرق كل اللي ظلمني.
مسحت الجيل الساقع من على بطني، وأخدت تقرير السونار المطبوع، والصور السودا اللي فيها التلات نقط، وحطيتهم في شنطتي كأني شايلة قنبلة موقوتة. الدكتورة داليا بصت لي بشفقة واحترام وقالت: “الحمل ده محتاج راحة تامة يا سمر، تلات توائم مش سهلين على جسمك، والضغط العصبي خطر عليهم.. لازم ترتاحي”. بصيت لها وقلت بثقة عمري ما حسيت بيها من يوم ما اتجوزت أحمد: “هرتاح يا دكتورة.. هرتاح أوي كمان.. بس بعد ما أحط النقط على الحروف”.
خرجنا من العيادة في المهندسين، الشمس كانت حامية وبتضرب في وشنا، وأمي عمالة تلح عليا: “يلا يا بنتي نروح الشقة، هعملك لقمة تاكليها وترمي عضمك، وسيبك من الندل ده، بكره يركع تحت رجليكي لما يعرف”. وقفت في وسط الرصيف وبصيت لأمي وقلت لها: “لأ يا أمي.. مش هيركع في السر.. أحمد فضحني وسط جيراني، ووسط زمايلي في الشغل، وخلاني لبانة في بق اللي يسوى واللي ميسواش.. أحمد أجر شقة مع السنيورة نيرمين في نفس منطقتنا عشان يذلني.. وأنا مش هستنى لما يركع في البيت.. أنا هروح له لحد عنده”.
أمي اتخضت وقبضت على إيدي: “تروحي فين يا مجنونة؟ هتروحي لواحد بايع وواقف مع عشيقته؟ هيتبلوا عليكي!”.. ابتسمت ببرود مخيف وقلت: “معايا ورق يهد جبال يا أمي.. والنهاردة الجمعة، يعني الباشا وأستاذه نيرمين قاعدين بيقضوا إجازتهم السعيدة.. اطلبي تاكسي يا أمي، ويلا بينا على الدقي”.
وصلنا العمارة اللي أحمد أجر فيها الشقة الجديدة.. عمارة شيك، من بره تحس إنها هادية، بس أنا كنت شايلة جوايا إعصار. سيبت أمي تحت بناءً على رغبتي عشان صحتها وضغطها، وطلعت الدور الرابع لوحدي. كل خطوة على السلم كانت بتفكرني بيوم ما لم هدومه وساب ريحة البرفان والسرير فاضي. وقفت قدام الباب، وأخدت نفس طويل، ورنيت الجرس.. رنيته وضغطت عليه ومفصلتش إيدي.




