
الباب اتفتح، وظهر أحمد.. كان لابس شورت بيتي وفانلة، وفي إيده كوباية شاي، وأول ما شاف وشي، الملامح اتغيرت من الاسترخاء للغل والزهق. زعق بصوت واطي عشان الجيران: “إنتي إيه اللي جابك هنا؟ إنتي مبتفهميش؟ مش قلت لك مش عايز أشوف وشك؟ جاية تشحتي؟ ولا جاية ترمي بلاكي عليا برضه؟”
في اللحظة دي، ظهرت من وراه نيرمين، كانت لابس كاش مايوه ومسيبة شعرها، وبصت لي بابتسامة صفرا مسمومة وقالت: “إيه ده؟ سمر؟ خير يا حبيبتي؟ جاياله ليه بعد كل اللي عملتيه؟ سيبيه في حاله بقا، الراجل لسه مشافش يوم حلو غير لما سابك”.
أنا مبصتش لنيرمين أصلاً، كأنها هوا، فضلت مركزة عيني في عين أحمد وقلت بلهجة هادية تقتل من برودها: “أنا مش جاية أشحت، ولا جاية أرجعلك.. أنا جاية أجيب لك هدية بمناسبة جوازك الجديد.. أو بالأصح بمناسبة عملية الربط الناجحة اللي إنت عملتها في المهندسين”.
أحمد وشه اتكرمش وسخر مني: “ورق إيه يا روح أمك؟ فكي القناع ده بقا واطلعي بره بروحك دي”.
طلعت تقرير الدكتورة داليا وصور السونار من الشنطة، وحطيتهم في وشهم.. أحمد أخد الورق وهو مستغرب، وبدأ يقرا.. عينه كانت بتتحرك بسرعة بين السطور، ووشه بدا يتحول من اللون الطبيعي للأصفر، وبعدين للأزرق.. نيرمين قربت منه وبصت في الورق وهي بتقول بلجلجة: “إيه ده؟ إيه الكلام المكتوب ده؟ تلات توائم؟ عمر الحمل تمن أسابيع؟”
أحمد بص لي وهو مش قادر ينطق، الكوباية اتهزت في إيده والشاي دلق على السجادة الشيك بتاعت شقته الجديدة، زي ما دلق البيرة يوم ما طردني.. سألني بصوت مخنوق ومصعوق: “تمن أسابيع؟ يعني.. يعني من قبل العملية بيومين؟”
قلت له وأنا بربع إيدي وببتسم: “بالظبط كده يا أبو العيال.. تلات توائم، تلات صبيان أو بنات لسه مش عارفين، بس الأكيد إنهم ولادك.. ولاد أحمد بيه اللي جرى وعمل عملية عشان خايف من المسؤولية، ومكنش يعرف إن ربنا كان كاتب له تلاتة حتة واحدة في نفس الأسبوع! الدكتور بتاعك حمار عشان مقالكش إن الحيوانات المنوية بتفضل عايشة شهرين وتلاتة بعد العملية، وإنت حمار أكبر لأنك مسمعتش غير صوت غلك وشكك”.
نيرمين وشها جاب ألوان، وبدأت تزق في كتفه: “أحمد! إنت بتقول إيه؟ إزاي يعني ولادك؟ الورق ده أكيد مزور! دي جايبة ورق من أي عيادة تحت السلم عشان تتدبس فيك وتلم منك قرشين!”
بصيت لنيرمين ولأول مرة وجهت لها الكلام: “الورق ده مختوم من أكبر مركز سونار في المهندسين يا شاطرة، وعليه اسم الدكتورة داليا استشارية أجنة.. وإذا كان على التزوير، فالمحكمة مش بتزور.. أنا رفعت قضية نفقة وقضية إثبات نسب، وبكرة لما العيال يشرفوا، تحليل الـ DNA هيكون قدام القاضي.. ساعتها بقا وريني هتقولي للمحكمة إيه يا نيرمين يا حبيبتي”.
أحمد قعد على الكرسي اللي وراه كأن ركبه خانته، النفس بقى يطلع منه بصعوبة، وبص لصور السونار والتلات نقط الواضحين، وبدأ صوته يتغير ويتحول لرجاء: “سمر.. سمر استني.. إنتي بتتكلمي جد؟ تلاتة؟ أنا.. أنا أسف.. أنا الشيطان عمى عيني.. نيرمين هي اللي فضلت تقولي إنك بتتأخري بره وإنك..”
نيرمين صرخت فيه: “أنا يا أحمد؟ أنا اللي قلت لك؟ مش إنت اللي جيت تعيط لي وتقول لي مراتي حامل بعد ما عملت العملية وأكيد خانتني؟ إنت هترمى بلاك عليا؟”
بدأوا يصرخوا في بعض ويزعقوا، وأنا واقفة بتفرج عليهم كأني في السينما وبأكل فشار.. النتن والنتنة بياكلوا في بعض.. سبتهم لحد ما صوتهم علي والفضايح بدأت تطلع، ورحت لافة وضهري ليهم وبكل ثقة ونزلت السلم وأنا سامعة صوت أحمد وهو بيجري ورايا على السلم وبيزعق: “سمر! سمر اقفي هنا.. نصلح الموضوع.. دول ولادي! أنا مش هسيب ولادي!”
نزلت لأمي، لقيتها مستنياني بلهفة، أول ما شافت وشي المبتسم فهمت كل حاجة.. أخدتني في حضنها وقالت: “نصر الله قريب يا بنتي، وعينيكي بتقول إنك أخدتي حقك تالت ومتلت”. ركبنا التاكسي ورجعنا البيت، ومن اليوم ده، قفلت تليفوني تماماً في وش أحمد.. غيرت رقمي، ورفضت أي محاولة منه أو من أهله لإنهم يوصلوا لي.. بعت لي أمه، وبعت لي أخت الكبيرة، وبعوا لي ناس من الحتة يصالحوني، وكلهم بيقولوا نفس الجملة: “الراجل ندمان وبيموت في جده، وهيطلق نيرمين، وعايز يرجعلك ويشيل عياله في عينه”. بس ردي كان واحد لكل الناس: “اللي يشك في شرف أم عياله ويرميها في الشارع، ملوش مكان في حياتها لما ربنا ينصرها”.
مرت الشهور، وبطني بدأت تكبر بشكل مخيف.. تلاتة مش قليلين، الحركة جوايا كانت كأنها معركة صغيرة، بس كانت معركة ممتعة.. كنت بحس بكل خبطة فيهم كأنها رسالة بتقول لي: “إحنا معاكي يا ماما، إحنا سندك”. أمي مكانتش بتفارقني، وأخويا الكبير اللي مسافر في الخليج بدأ يبعت لي فلوس كل شهر ويقول لي: “متشيليش هم قرش يا سمر، ولادك ولادي، والندل ده مش هناخد منه مليم غير بحكم المحكمة عشان نذله”.
وفي الشهر السابع، الدكتورة قالت لي إن الولادة لازم تكون قيصري وفوراً لأن المية بدأت تقل حولين الأجنة، والوضع بقى خطر.. دخلت المستشفى في الدقي، المستشفى الكبيرة اللي كنت بحلم أولد فيها.. الغرفة كانت مليانة ورد من صحابي وأهلي اللي عرفوا الحقيقة وكلهم بقوا واقفين في ضهري.
يوم العمليات، وأنا داخلة على السرير المتحرك، شفت أحمد واقف في الممر.. كان شكله متبهدل، دقنه طويلة، وخاسس النص، ولابس قميص مكرمش كأنه نايم بيه.. أول ما شافني جرى على السرير والدموع في عينيه: “سمر.. أبوس إيديكِ سامحيني.. خليني أدخل معاكِ الأوضة.. أنا أبوهم، من حقي أشوفهم أول ما يتولدوا!”
أخويا وقف في وشه ومنعه يلمس السرير وقال له بحسم: “إنت ملكش حق في أي حاجة هنا.. إنت غريب.. اطلعي يا سمر ومتشغليش بالك بالكلاب”.
بصيت لأحمد نظرة أخيرة قبل ما باب العمليات يقفل.. نظرة مفيهاش غل، فيها شفقة على راجل باع كل حاجة وخسر كل حاجة عشان وهم.. ودخلت الأوضة.
ساعتين والبنك النصفي مخليني سامعة كل حاجة.. وفجأة، سمعت الصوت الأول.. صرخة عالية هزت الأوضة.. وبعدها بدقيقة الصرخة التانية.. وبعدها بدقيقة الصرخة التالتة.. الدكتورة رفعتهم واحد ورا واحد.. تلات صبيان زي الورد، شبه أحمد بطريقة تخوف، نفس الملامح ونفس العيون الواسعة. الدكتورة قربتهم مني عشان أبوسهم وهي بتقول: “مبروك يا سمر.. تلات رجالة يملوا عليكي الدنيا”.



