
يعني إيه يا أمي؟ مش ه تساعديني؟ قالها وهو باصص لي بقلة حيلة.
لا يا حبيبي، مش هساعدك. فلوسي من النهاردة ليا.. هسافر بيها، هشتري بيها لبس، هتبرع بيها.. لكن قرش واحد يدخل جيبك وجيب مراتك تاني، مش هيحصل. والشنطة اللي كنت باجي بيها يوم الجمعة، وفرت تمنها وتمن مواصلاتها.
قمت وقفت وفتحت باب الشقة مع السلامة يا بني.. وربنا يوفقك في حياتك الجديدة.. الشقة واسعة ومراتك هتاخد راحتها فيها على الآخر.
خرج حازم وهو بيجر رجليه وراه، مكسور ومذهول من الأم اللي اتحولت فجأة لصخرة مابتلينش.
الشهور مرت..
حازم حياته اتقلبت رأس على عقب. المرتب بقى يتخصم منه القسط وغرامات التأخير، ومبقاش يفيض معاه غير ملاليم. نهى مبقتش تلاقي فلوس الخروجات والمطاعم الغالية، وبدأت المشاكل تدب بينهم. لما عرفت إن الشقة مهددة بالحجز وإن حازم مديون للبنك، سابت البيت وغضبت عند أهلها وهي في شهرها السابع، وقالت له أنا متجوزتش واحد شحات مش عارف يصرف عليا وعلى ابنه.
حازم كان بيكلمني من وقت للتاني، صوته كان بيبقى مليان عياط وتعب، بيطلب بس الرضا والدعاء، ومبقاش يجرؤ يطلب قرش واحد. كنت برد عليه، بدعي له بالهداية والصلاح، بس من ورا الشاشة.. مبروحش، ولا ببعت قرش، ولا بفتح قلبي زي زمان.
في يوم،
جارتي أم أحمد خبطت عليا يا أم حازم، سمعت إن نهى ولدت وجابت ولد زي القمر.. مش هتروحي تشوفي ابن ابنك؟
بصيت لأم أحمد وابتسمت يتربى في عز أبوه وأمه يا أم أحمد.. ربنا يبارك لهم فيه.
يعني مش هتروحي المستشفى؟
المستشفيات للناس القريبة يا حبيبتي.. وأنا برة الدايرة دي خلاص. أنا بعتّ مع حازم علبة سبوع فضة، وده واجبي كجدة.. لكن دخولي وخروجي في حياتهم انتهى.
بعد سنة كاملة من المقاطعة ووضع الحدود..
يوم الجمعة الصبح، الجو كان جميل في المنيل. كنت قاعدة في البلكونة وبشرب قهوتي، ولابسة فستان جديد ألوانه مبهجة، وكنت بجهز نفسي عشان هسافر مع جروب رحلات تبع المعاشات لمدينة دهب.. رحلة كنت بحلم بيها من سنين وعمري ما عملتها عشان كنت بوفر القرش لحازم.
الباب خبط.
فتحت.. لقيت حازم واقف.
المرة دي مكانش جاي بزعيق، ولا بكسرة مبالغ فيها.. كان واقف وهدومه بسيطة، وشايل على كتفه طفل صغير عنده حوالي سبع شهور.
حازم بص لي وعينه دمعت صباح الخير يا أمي.. أنا مش جاي أطلب حاجة، ولا جاي أشتكي من نهى.. أنا جاي أقولك إني نقلت من حدائق الأهرام، بعت الشقة وسددت البنك، وأجرت شقة صغيرة على قدنا في الجيزة.. وجاي أوريكِ عبد الحميد الصغير.. سميته على اسم أبويا الله يرحمه.
بصيت للطفل اللي في إيده.. كان نسخة من حازم وهو صغير. عينيه الواسعة البريئة كانت بتبص لي وبتضحك.
قلبي دق دقة غريبة.. دقة الجدة اللي جوايا. بس المرة دي، الدقة كانت واعية، مش مندلقة.
تنحيت خطوة لورا وقلت له أهلاً يا حازم.. اتفضل ادخل.
دخل وقعد، وحط الولد على الكنبة. الولد بدأ يحبي ناحيتي. مديت إيدي وشيلته.. ريحته كانت جميلة، ريحة الأطفال اللي بترد الروح.




