عام

د طارق مسك المايك

وصلنا المستشفى في المهندسين. أبويا كان قاعد على السرير، وشة أصفر ومخطوف، أجهزة الضغط والتنفس حواليه من كل ناحية. ياسمين كانت قاعدة في زاوية الأوضة حاطة رأسها بين إيديها، أول ما شافتني قامت ووقفت بعيد وكأنها خايفة مني.

أبويا بصلي، وعينيه دمعت. رفع إيده اللي بتترعش وشاورلي أقرب. طارق وقف عند الباب وسابني أدخل لوحدي. قربت منه، مسكت إيده الباردة.

أبويا اتكلم بصوت هسيـس طالع بالعافية: “كنت فاكر إني بربيكي يا مريم.. كنت فاكر إن الأب من حقه يدوس عشان يعلم.. أتاريني كنت بهد بيتي بإيدي. لما شفت الكراسي الفاضية في الفيديو.. حسيت إن قبري هو اللي فاضي ومفيش حد هيمشي في جنازتي يترحم عليا.”

أمي كانت بتعيط في الصمت. أبويا كمل وهو بيشهق: “سامحيني يا بنتي.. أنا ظلمتك كتير.. وجيت عليكي عشان أدلل أختك، لحد ما طلعتها مش قادرة تشيل مسؤلية ولا عارفة تعيش.”

أنا بصيت له، والدموع في عيني، بس كنت حاسة بفراغ غريب. التفت لياسمين اللي كانت باصة للأرض.

“أنا مسامحاك يا بابا.. مسامحاك عشان نفسي أنا تصفى وتعيش، مش عشان أرجع زي زمان. الدرس كان قاسي، بس علمني أقوم على حيلي.”

أبويا مسك إيدي بجمود فجأة، وعينيه وسعت وهو بيحاول يتنفس بالعافية، والمونيتور اللي جنبه بدأ يزمر بصوت سريع ومرعب! الدكاترة جرو على الأوضة وطلعونا برة.

وقفنا في الطابق، أمي بتصرخ وياسمين بتعيط، وطارق واخدني في حضنه. بعد نص ساعة، الدكتور طلع، وشه مفسرش خير.. حط إيده على كتفي وقال: “الأزمة القلبية كانت شديدة.. شدوا حيلكم.”

في لحظة، كل حاجة انتهت. مات أبويا وهو شايل ذنب الكرسين الفاضيين، وماتت معاها حكايات من الألم والتضحية المظلومة.

بعد العزا بأسبوعين، وقبل ما نبدأ نلملم أوراق التركة ونشوف دنيتنا، ياسمين جابتلي ظروف مقفول، وحطته قدامي على الترابيزة في بيت أمي.

سألتها: “إيه ده؟”

ياسمين بصلتي بنظرة مكسورة ومفيهاش أي أثر للبنت المغرورة بتاعة زمان: “ده عقد شقة المقطم ومحلات العتبة اللي بابا كان كاتبهم باسمي من ورانا من سنتين.. بابا كتب وصية قبل ما يموت بيومين، ورجع كل حاجة باسمك يا مريم. بس الوصية فيها بند تاني.. بند غريب أوي، المحامي قال إننازم نفتحه سوا.”

طارق بصلي بقلق، وأنا مسكت الظرف الثاني اللي كتب عليه أبويا بخط إيده قبل وفاته بساعات: “لا يفتح إلا بحضور مريم وطارق.. سر عيلة علي.”

فتحت الظرف بإيد بتترعش، وطلعت منه ورقة قديمة جداً يرجع تاريخها لـ 30 سنة فاتوا.. شهادة ميلاد أصلية من مستشفى حكومي، ومكتوب فيها اسم المولودة: “ياسمين حسين علي”.. وتحتيها خانة الملاحظات: (تبني برقم قيد… )!

الورقة سقطت من إيدي على الترابيزة، وياسمين بصلتي بذهول وهي مش فاهمة، وأمي غطت وشها بإيديها وبدأت تصرخ بعياط هيستيري: “لا يا مريم!! بلاش الورقة دي!! أبوس إيدك بلاش الورقة دي!!”

بصيت لأمي، وبعدين لياسمين اللي عينها كانت مليانة أسئلة ورعب، وجسمي كله قشعر لما أدركت السبب الحقيقي اللي كان بيخلي أبويا يفضل ياسمين عليا طول عمره.. والسر المرير اللي اتدفن معاه!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى