
فضلنا واقفين قدام باب المستشفى، محدش فينا قادر يتكلم.
صوت الراجل لسه بيرن في ودني:
**”اللي حصل في المستشفى كان مجرد بداية.”**
بصيت لسارة وقلت:
ـ سارة… إنتِ متأكدة إنك تعرفي الصوت ده؟
هزت راسها وهي بتبص حواليها بخوف.
ـ أيوه يا كريم… مستحيل أنساه.
ـ مين؟
سكتت ثواني، وبعدين قالت:
ـ عمري ما شوفته كتير… لكن سمعت صوته ليلة ولادة البنات.
حسيت إني اتجمدت.
ـ ليلة ولادتهم؟!
هزت راسها.
ـ أيوه.
أمي قربت منها وقالت:
ـ سارة، إنتِ متأكدة؟
سارة بصتلها بغضب:
ـ إنتِ عارفة أكتر مني.
أمي نزلت عينيها في الأرض.
قلت:
ـ كفاية أسرار.
مسكت إيد ليلى ونور وقلت:
ـ من اللحظة دي محدش هيخبي عني حاجة.
سارة أخدت نفس عميق وقالت:
ـ ليلة ولادة البنات، بعد ما خرجت من غرفة العمليات، كنت تعبانة جدًا. كنت بين الوعي والإغماء. وفي نص الليل سمعت راجل بيتكلم مع حد بره الأوضة.
ـ قال إيه؟
ـ قال: “البنتين لازم يخرجوا من هنا قبل الصبح.”
قلبي وقع.
ـ مين كان معاه؟
ـ معرفش… لكن الصوت التاني كان صوت أمك.
بصيت لأمي.
قالت بسرعة:
ـ أنا كنت بحاول أحميهم!
ـ من مين؟
أمي سكتت.
ـ من مين يا أمي؟!
رفعت عيني وقالت:
ـ من أبو سارة.
سارة شهقت:
ـ أبويا؟!
أمي هزت راسها.
ـ أبوكي ماكانش مجرد مديون يا سارة. كان داخل في شراكة خطيرة مع ناس، وكان عايز يستخدم ولادك كورقة ضغط.
قلت:
ـ طب ليه ما قولتيليش؟
ـ لأنك كنت شاب صغير، ولو عرفت كنت هتروح تواجههم.
ـ وبدل ما تحميني… كذبتي عليا؟
أمي دموعها نزلت.
ـ كنت فاكرة إن الكذبة هتحميك.
سارة قالت بصوت مكسور:
ـ بس في حاجة إنتِ لسه مخبياها.
أمي بصتلها.
ـ إيه؟
سارة قربت منها وقالت:
ـ الراجل اللي كان معاكي ليلة الولادة… مش أبويا.
الصمت نزل علينا كأنه صدمة.
ـ إنتِ عرفتي إزاي؟
سارة قالت:
ـ لأني سمعت صوته تاني النهارده.
بصيت لها.
ـ فين؟
شارت ناحية المستشفى.
ـ في مكالمة كريم.
افتكرت المكالمة اللي وصلت لسارة.
الصوت.
نفس الصوت.
يعني الشخص اللي اتصل بيها النهارده كان موجود في المستشفى.
قلت:
ـ طيب نعرفه إزاي؟
سارة بصت لأمي.
ـ هي عارفة.
أمي بدأت ترتعش.
قلت لها:
ـ قولي اسمه.
سكتت.
ـ يا أمي!
قالت أخيرًا:
ـ اسمه… فؤاد.
سارة شهقت.
ـ فؤاد؟!
ـ أيوه.
ـ بس فؤاد مات من تسع سنين!
أمي بصتلها وقالت:
ـ لأ.
ـ إيه؟
ـ فؤاد ما ماتش.
في اللحظة دي رن موبايل أمي.
رقم مجهول.
بصينا كلنا للشاشة.
أمي كانت مرعوبة.
قلت لها:
ـ ردي.
هزت راسها.
ـ لأ.
ـ ردي!
ضغطت على زر الإجابة.
وسمّعنا صوت الراجل:
ـ مساء الخير يا مدام.
أمي وشها ابيض.
ـ فؤاد؟
ضحك.
ـ وحشتيني.
أنا قربت من الموبايل وقلت:
ـ إنت عايز إيه؟
سكت ثواني.
وبعدين قال:
ـ عايز الحاجة اللي اتسرقت مني من تسع سنين.
قلت:
ـ إيه هي؟
ضحك مرة تانية.
ـ مش هتعرف يا كريم.
وبعدين قال جملة واحدة:
ـ اسأل أمك عن **الطفلة الثالثة**.
وقفل.
اتجمدنا كلنا.
بصيت لسارة.
وبعدين لأمي.
ـ طفلة ثالثة؟!
أمي بدأت تعيط.
سارة حطت إيدها على بقها.
أما ليلى ونور فكانوا واقفين مش فاهمين حاجة.
قربت من أمي وقلت:
ـ كان فيه طفلة تالتة؟
أمي ما ردتش.
صرخت:
ـ ردي!
قالت بصوت مكسور:
ـ أيوه.
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
ـ فين؟
أمي رفعت عيني في عيني وقالت:
ـ ماعرفش.
ـ يعني إيه ما تعرفيش؟!
ـ يوم الولادة… كان فيه تلات بنات.
سارة شهقت:
ـ تلاتة؟!
أمي هزت راسها.
ـ أيوه.
ـ طب فين بنتي؟
أمي بدأت تنهار.
ـ أنا حاولت أرجعها.
ـ حاولتي؟!
ـ بس لما رجعت… كانت اختفت.
سكتنا.
قلت:
ـ مين أخدها؟
أمي بصت ناحية ليلى ونور.
وقالت:
ـ فؤاد.
وفي نفس اللحظة، وصلت رسالة على موبايلي.
فتحتها.
كانت صورة لطفلة صغيرة.
تحت الصورة جملة واحدة:
**”لو عايز تعرف بنتك التالتة فين… تعالى لوحدك.”**
رفعت عيني لسارة.
لكن قبل ما أقول أي كلمة، وصلت رسالة تانية.
الصورة كانت أحدث.
لطفلة دلوقتي عندها تسع سنين تقريبًا.
وفي إيدها نفس السوار القديم اللي شوفناه في صور ولادة ليلى ونور.
وتحت الصورة مكتوب:
**”دي مش النهاية يا كريم… دي عيلتك اللي اتسرقت منك.”**
بصيت لسارة.
ثم للبنات.
ولأول مرة فهمت إن التسع سنين اللي ضاعوا مني…
يمكن ما يكونوش أكبر خسارة.
لأن في طفلة تالتة عاشت تسع سنين كاملة من غير أمها وأبوها…
والسؤال الأصعب كان:
**مين كانت بتفتكر إنه أهلها طول السنين دي؟**
**يتبع…**
### المشهد اللي بعده
فضلت واقف ماسك الموبايل، والصورة قدامي، ومش قادر أصدق اللي شايفه.
طفلة عندها حوالي تسع سنين، ملامحها فيها حاجة من سارة… وحاجة مني.
ليلى قربت مني وقالت:
ـ بابا… مين البنت دي؟
بصيت لها، ومقدرتش أجاوب.
نور كانت باصة للصورة ودموعها نزلت.
ـ هي شبهنا.
سارة كانت واقفة مكانها كأنها فقدت القدرة على الحركة.
قربت منها وقلت:
ـ سارة… إنتِ كنتِ عارفة إن الحمل كان فيه تلاتة؟
هزت راسها بالنفي.
ـ الدكتور قال لي توأم.
أمي قاطعتها:
ـ الدكتور اللي تابع حالتك ماقالش كده.
سارة بصتلها بصدمة.
ـ يعني إيه؟
أمي قالت:
ـ كان فيه طبيب تاني موجود يوم الولادة… وهو اللي كتب في الملف إن الحمل توأم.
ـ مين؟
أمي سكتت.
قلت:
ـ مين يا أمي؟
قالت:
ـ فؤاد.
سارة حطت إيدها على بوقها.
ـ بس هو مش دكتور!
ـ عارفه.
ـ أمال دخل غرفة الولادة إزاي؟
أمي بصت للأرض.
ـ لأن أبوكي كان مدي له صلاحيات في المستشفى.
بدأت أفهم إن الموضوع أكبر من مجرد اختفاء طفلة.
لكن السؤال كان:
**ليه فؤاد أخد بنتنا؟**
رن موبايل أمي مرة تانية.
رسالة.
فتحتها.
كان مكتوب:
**”الوقت خلص. كريم لوحده. موقف العربيات القديم خلف المستشفى. نصف ساعة.”**
بصيت لأمي.
ـ هتروحي معايا.
هزت راسها بسرعة.
ـ لأ.
ـ إنتِ أكتر واحدة تعرف مكانه.
ـ لو روحت معاك هيأذيك.
ـ ولو رحت لوحدي هيأذي البنت.
سارة مسكت إيدي.
ـ كريم… متروحش.
بصيت لها.
ـ دي بنتنا.
سكتت.
وبعدين قالت:
ـ وأنا مش مستعدة أخسر طفل تاني.
حضنتها.
وقلت:
ـ مش هخسر حد.
خرجت من المستشفى، لكن قبل ما أوصل باب الخروج، سمعت صوت أمي ورايا:
ـ كريم!
لفيت.
كانت واقفة بتبصلي ووشها مليان خوف.
قالت:
ـ في حاجة ماقولتهالكش.
ـ إيه؟
ـ فؤاد مش لوحده.
ـ مين معاه؟
قالت:
ـ حد من ناحيتك.
حسيت قلبي وقع.
ـ مين؟
لكنها سكتت.
قلت:
ـ مين يا أمي؟
قالت:
ـ أخوك.
اتجمدت.
ـ أنا معنديش أخ!
أمي بصتلي بنظرة غريبة وقالت:
ـ عندك.
وقبل ما ألحق أتكلم، خرجت من المستشفى بسرعة.
رجعت أجري وراها، لكن اختفت وسط الناس.
وقفت مكاني وأنا مش فاهم.
**أخ؟**
أنا طول عمري الابن الوحيد.
رجعت لسارة وحكيت لها.
وشها اتغير.
ـ كريم… في حاجة حصلت قبل ما نتعرف.
ـ إيه؟
ـ مرة أبويا قال لي إن عنده ولد من زوجته الأولى.
ـ وإيه علاقة ده؟
ـ قال إن الولد اتربى بعيد عن العيلة.
سكت.
ـ سارة… إنتِ فاكرة اسمه؟
هزت راسها.
ـ كان اسمه آدم.
فتحت الموبايل بسرعة.
دخلت على الصورة اللي وصلتني.
كبرتها.
دققت في انعكاس زجاج العربية اللي كانت الطفلة واقفة جنبها.
كان فيه رجل واقف بعيد.
وشه مش واضح.
لكن في إيده علامة مميزة.
علامة قديمة على شكل ندبة.
فجأة افتكرت حاجة.
كنت شفت الندبة دي وأنا طفل.
على إيد شخص كان بيزور أمي زمان.
قلت:
ـ آدم.




