عام

د طارق مسك المايك

طارق مسك المايك بصوت هز أركان القاعة، ورجاء الصمت اللحظي اللي حل على الـ 200 بني آدم كان يخوف. العيون كلها اتعلقت بإيده اللي كانت بتفتح الورقة المطوية ببطء شديد، وكأنه بيستعرض حبل الإعدام اللي هيتلف حوالين رقبة كل واحد ظلمني. أنا جسمي كله اتخشب، إيدي كانت بتترعش على طرف الفستان الأبيض، وريقي جف تماماً. كنت عارفة إن طارق مجنون وبيحبني، بس ما تخيلتش أبداً إنه يوصل للدرجة دي.. درجة إنه يرفع الستار عن العار المستخبي تحت سجاد بيت حاج حسين علي قدام الدنيا كلها.

طارق بص للورقة، وبعدين رفع عينه ونظر للمعاريم اللي كانت أعناقهم مشرئبة من الفضول، وقال بنبرة هادية بس مليانة سم: “الورقة دي مش مجرد كلام.. دي الإقرار اللي الأستاذ حسين علي كتبه وبصم عليه بإيده من خمس سنين، لما مريم تنازلت عن نصيبها في محلات العتبة وشقة المقطم عشان تشتري راحة بالها، وتدفع ديون أختها المصونة ياسمين لما ورطت العيلة في شيكات من غير رصيد وقضايا كانت هتوديها في داهية!”

همهمة واطية بدأت تطلع من الترابيزات. قرايبنا من الصعيد والمنصورة بدأوا يتبادلوا نظرات الصدمة. طارق كمل وهو بيقرأ النص الحرفي من الورقة: “‘أقر أنا حسين علي، بأن ابنتي مريم قد قامت بسداد مبلغ 850 ألف جنيه لحماية العيلة من الفضيحة، وتعهدت بعدم المطالبة بحقها في التركة مقابل عدم المساس بمستقبلها.’.. بس الحاج حسين نسي يكتب بنود التضحية الجديدة! نسي يكتب إن مريم لما رفضت تضيع فرحها وثمن حجوزاتها عشان الهانم الصيرة تروح تشرب قهوة في الجونة مع أصحابها، الأب المحترم قرر يبيع بنته الكبيرة كاش، وقالها بالحرف في التليفون: هسيبلك كرسين فاضيين عشان اتعلمي الأدب وتعرفي إنك ولا حاجة من غيرنا!”

السكوت اللي ساد بعد الجملة دي كان أتقل من الجبال. طارق مطبش الورقة ورجعها جيب بدليته بكرامة ورجولة هزت القاعة، ومسك المايك تاني وبصلي وقال بثقة تدرس: “الكرسين دول مش فاضيين يا جماعة.. الكرسين دول مليانين أنانية وقسوة. ومريم مش ولوحدها.. مريم معاها راجل مش هيسمح لمخلوق على وجه الأرض يكسر نفسها تاني!”

الناس كلها قامت على حيلها. التصقيف كان زي الرعد، والتصفير رج القاعة. صاحبتي فريدة جرت عليا وحضنتني وهي بتعيط، وقرايبي اللي كانوا محتارين يقعدوا فين جُم وسحبوا الكراسي الفاضية وقعدوا جنپنا وكأنهم بيمسحوا العار اللي أبويا سابه. أنا ساعتها، ولأول مرة من 3 شهور، حسيت إن كتافي خفت من حمل ثقيل كان كاتم على نفسي.

بس الدراما مكنتش خلصت عند اللحظة دي.. دي كانت مجرد البداية.

ثاني يوم الفرح، وأحنا في المطار متجهين لشرم الشيخ لقضاء أسبوع العسل، موبايلي مكنش بيوقف رن. رسائل بالهبل. أمي، أبويا، ياسمين، وقرايبنا اللي مأحضرواوش. اتضح إن واحد من المعازيم كان بيصور فيديو لطقوس الفرح ونزل مقطع طارق وهو بيقرا الورقة وبيقول الكلام ده على تيك توك وفيس بوك! الفيديو جاب 3 مليون مشاهدة في أقل من 12 ساعة تحت عنوان: “عريس ينقم لزوجته من أهلها في ليلة الزفاف!”

الكومنتات كانت تشرح القلب وتوجع في نفس الوقت. الناس كلها كانت بتدعي على أبويا وأمي وياسمين. الفضيحة اللي أبويا كان خايف منها وبيدور على كسر مناخيري بسببها، بقت تريند مصر الأول. ياسمين كلمتني وهي بتصرخ وتعيط في التليفون: “انتوا دمرتوني! الشركات ألغت تعاقدها معايا في الجونة، والناس على الإنستجرام بيدخلوا يشتموني ويقولوا عليا مريضة وأنانية! مبسوطة كدة يا مريم؟!”

أنا مسكت التليفون بثبات، وسمعت صوتها اللي كان زمان بيرعبني وبيخليني أتراجع. رديت بمنتهى الهدوء: “اللي زرعتوه طول السنين اللي فاتت يا ياسمين، بتجصدوه النهاردة. أنا ما ظلمتكيش، إنتي وأبوكي اللي اخترتوا الكراسي الفاضية.. فاقفلي بقى وعيشي النتيجة.” وقفلت السكة في وشها لأول مرة في حياتي.

مرت تسع شهور. كانت حياتي مع طارق زي الحلم. بنينا بيتنا على الحب والاحترام الحقيقي. مفيش تمييز، مفيش ضغط، مفيش “اعقلي انتي الكبيرة”. بس في يوم من أيام شهر نوفمبر، التليفون رن. كانت أمي. صوتها كان مكسور، عيان، ومفيهوش ريحة الكبرياء بتاع زمان.

“مريم.. أبكي يا بنتي.. أبوكي في المستشفى.”

قلبي اتعصر، مهما كان ده أبويا. طارق بصلي وسألني: “عايزة تروحي؟” هزيت رأسي بالـ “أيوه”. مش عشان أسامح، بس عشان أكون مرتاحة قدام ربنا وقدام نفسي.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى