عام

د العربيه الفولكس السوداء

العربيات الفولكس السوداء واللاندكروزر قفلت الشارع، صوت الفرامل مع صفارة الإنذار الهادية شق السكون. نزلت رجالة الحاج توفيق المنسي، مش مجرد حراسة، دول كانوا زي الجيش الهادي اللي عارف طريقه كويس. حطوا عليا بطانية تقيلة، ومسكت في دراع الدكتور اللي نزل من العربية وهو بيرعش من شكل وشي والدم اللي نازل يخالطه المطر. وفي أقل من نص ساعة، كنت قاعدة في قصر أبويا في التجمع، وسط الدفا والهدوء، بس النار اللي كانت بتغلي جوايا وجوا الحاج توفيق كانت كفيلة تحرق القاهرة بحالها.

أبويا كان قاعد قدامي، ماسك كوباية الشاي بنعناع اللي ما لمسهاش، عينيه ما كانتش فيها دموع، كان فيها ظلام دامس. الظلام اللي بيجي قبل العاصفة اللي بتمسح المبانى من على وش الأرض.

— “الدم ده مش هينشف من غير ما يتدفع تمنه بالغالى يا كاميليا،” أبويا قالها بجهامة وجمود هز جدران الأوضة. “شريف فاكر إن توفيق المنسي كبر وشاخ، وفاكر إن القرشين اللي عملهم من ورايا يدوه الحق يلمس شعرة منك.. هو نسى هو كان إيه لما جالي أول مرة؟”

سكت، والدمعة المحبوسة في عيني اتجمدت. شريف لما اتجوزني من ست سنين، كان مجرد مقاول صغير بيحاول يلقط أي سبوبة في العاصمة الإدارية، أبويا هو اللي فتحله خزائن البنوك، هو اللي ضمنه في هيئة المجتمعات العمرانية، هو اللي خلى اسمه يتردد في صالونات كبار رجال الأعمال. وشريف بدوره، شفط كل حاجة، لحد ما اقتنع إن الشطارة شطارته، وإن أنا مجرد “كومبارس” في مسرحية نجاحه.

أبويا مسك التليفون، وطلب المتر عبد الصمد، المحامي بتاعه اللي بيخلص الصفقات الشديدة في البلد.

— “عبد الصمد.. كل الملفات المقفولة تتفتح. كل الشيكات المؤجلة تتقدم للنيابة الصبح. البنوك تقفل الخطوط الائتمانية بتاعة مجموعة ‘Beltran Real Estate’. التحفظ على كل أصوله وممتلكاته اللي باسم الشركة. مش عايز شريف المنسي—قصدي شريف العبد—يلاقي جنيه يصرف بيه على سجارة النهاردة.”

المحامي رد بثقة: “تم يا حاج. والضبط والإحضار بتاع الشيكات بدون رصيد جاهز من قبل الفجر، بس نتحرك؟”

أبويا بصلي، وعينيه أمانة وحسرة: “تحرك، وامسح الأرض بيه.”

الساعة تسعة الصبح، شريف صحي في الفيلا بتاعته—أو اللي كان فاكرها فيلته—على صوت جرس الباب اللي ما بيبطلش. كان فاكرني راجعة أترجاه، أو فاكر إن البوليس جاي على خناقة زوجية عادية. نزل بالروب بتاعه، ونيرمين وراه لابسة قميص نوم من دولابي وتتمايل ببجاحة.

فتح الباب، ما لقاش كاميليا الضعيفة. لقي أربعة من رجال النيابة، ومعاهم قوة من الشرطة، وممثلين عن ثلاث بنوك حكومية وخاصة.

— “شريف عبد الرحمن؟” الضابط قالها ببرود وهو ماسك أمر من النيابة.

— “أيوه أنا.. فيه إيه؟ أنتم متخلفين؟ أنتم عارفين بتكلموا مين؟ أنا شريف…”

الضابط قطعه بصوت زاي الحديد: “عارفين، شريف عبد الرحمن، الصادر ضدك أمر ضبط وإحضار في قضايا أموال عامة، وشيكات بمبالغ تتعدى الميتين مليون جنيه، بالإضافة للتحفظ على الفيلا دي وكل الأصول المملوكة ليك بقرار من النائب العام بناءً على بلاغات التزوير والتهرب الضريبي.”

شريف وشه اتخطف، الدم هرب من عروقه وورق وشه بقى أصفر زي الموتى: “تزوير؟ تهرب؟ دي كساحة! أنا حساباتي كلها مظبوطة! أنا هكلم الوزير…”

مسك تليفونه، يطلب الأرقام الكبيرة اللي كان بيسهر معاهم.

“الرقم الذي طلبته غير متاح..”

طلب التاني.. “الهاتف مغلق..”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى