عام

د العربيه الفولكس السوداء

طلب المحامي بتاعه.. المحامي رد بلهفة وخوف: “يا شريف بيه، الحصانة اترفعت عنك، والحاج توفيق المنسي نزل التيل كله في السوق! البنوك حجزت على الحسابات، والشركاء بيبيعوا أسهمهم بالتراب من الصبح عشان يهربوا! الشركة بتفلس في اللحظة دي!”

شريف التليفون وقع من إيده على الأرض فاتكسر النصين. نيرمين، اللي كانت واقفة وراه وبتحلم بالدلع والفلوس، صرخت لما لقيت الضابط بيدي أمر بتفتيش الفيلا، وأمين شرطة قرب منها وشد الحلق اللؤلؤ من أذنها بهدوء وقساوة: “الحلق ده حرز في القضية، ومسروق.”

نيرمين بصت لشريف بزهول وقرف: “إيه ده؟ أنت طلعت حتة نصاب ولا إيه؟ أنت مش قلتلي إنك مالك مصر الجديدة والعاصمة؟”

شريف زعق فيها وضربها بظهره: “اخرسي يا بت! اخرسي!”

بس الأمور خرجت عن سيطرته، الضباط كلبشوا إيديه وراء ظهره، وسحبوه بالروب البيجامات القديمة قدام الكومبوند كله، والسكان واقفين يتفرجوا ويصوروا بالموبايلات، الشاب اللي كان بيمشي بأسطول عربيات بقت صورته مقبوض عليه زي أي حرامي غسيل هارب.

بس القصة ما خلصت هنا.. بالعكس، دي كانت البداية بس.

بعد ثلاثة أيام، وأنا قاعدة في مكتبي الجديد في شركة أبويا، أسترد صحتي وكرامتي، دخل عليا المحامي عبد الصمد ومعه فلاشة سوداء ومجموعة ملفات ضخمة جداً، أوراق قديمة واصفرت من المركنة.

— “يا ست كاميليا.. يا حاج توفيق.. القضية مش مجرد إن شريف سرق فلوس، ولا إنه خادعك مع نيرمين.”

أبويا رفع راسه: “أومال فيه إيه يا عبد الصمد؟ انجز.”

المحامي حط الفلاشة في اللاب توب وفتح شريط فيديو قديم، يرجع لتاريخ من عشر سنين.. فيديو مشوش من كاميرا مراقبة مخفية في مخزن من مخازن شركة النقل بتاعة أبويا في الإسكندرية.

الفيديو كان جايب حادثة كبيرة، تريلة ضخمة ملغومة بنزين اتفجرت في المخزن ده، والحادثة دي زمان طيرت نص ثروة أبويا، وقتلت ستة من أقدم العمال عنده، وكانت هي السبب إن أبويا اضطر يبيع أصول كتير ويدخل شركاء معاه.. ومن يومها وأبويا بيحاول يقوم من ضربة الظهر دي.

الكاميرا جابت وش الراجل اللي زرع العبوة والتانك المفتوح.. الراجل ده كان شريف!

شريف لما كان لسه عيل صايع وشغال مع منافسين لأبويا في السوق!

أنا اتسمرت في كرسيي، النفس اتقطع مني: “شريف؟ شريف هو اللي حرق مخازننا زمان؟”

عبد الصمد كمل بصوت أشد غموضاً وخطورة: “مش بس كده يا هانم.. الحادثة دي ما كانتش مجرد تخريب سوق. الحادثة دي كانت مع معمولة بتخطيط أعلى بكتير.. شريف ما دخلش حياتك بالصدفة من ست سنين، ولا اتجوزك عشان طمعان في فلوسك بس.. شريف كان مبعوث من شخص تاني، شخص من أقرب الناس للحاج توفيق، شخص كان عايز يهد آل المنسي ويمحي اسمهم عشان يستولى على الأراضي والأوراق المالية المربوطة بأسماء العيلة من أيام الثمانينات!”

أبويا قام وقف، جسمه كله بيرعش، عينيه كانت بتطلع شرار، ووشه اتغير كأنه شاف شبح من الماضي: “مين؟ مين اللي ورا شريف يا عبد الصمد؟ ينطق!”

المحامي فتح المظروف الأخير، وطلع منه صورة عقد شركة أوفشور في بنما، وتحتها توقيعين:

التوقيع الأول: شريف عبد الرحمن.

التوقيع الثاني: توقيع خطي، أصل وفصل، أشنا من نار..

التوقيع كان بتاع: **مراد المنسي**.. أخو أبويا الصغير، وعمي اللي عايش معانا في نفس البيت، واللي كان ماسك إيد أبويا وبيعيط وهو بيواسيه ليلة الحادثة من عشر سنين!

الدم هرب من عروقنا كلنا. عمي مراد؟ العم اللي كان بيجي بيتنا كل جمعة، اللي كان بيبوس رأسي ويقولي “أنتِ ابنتي اللي ما خلفنهاش”؟ هو اللي بعت شريف يتجوزني عشان يمتص دم العيلة ويجيب أسرار أبويا المالية من جوه أوتار البيت؟

أبويا مسك قلبه، وقعد على الكرسي ببطء وهو بيلهث: “مراد؟ أخويا؟ ابن أمي وأبويا؟”

وفجأة.. التليفون بتاع أبويا رن.

الرقم كان رقم غريب.. فتح السبيكر والصوت جه من الناحية التانية، مش صوت شريف، ولا صوت المحامي.. كان صوت عمي مراد، بس ما كانش الصوت الحنين اللي نعرفه. كان صوت بياكل في العضم، ساخر، وممتلئ بالشر.

— “أهلاً يا توفيق.. أهلاً يا ابن أصول.. شكلكم عرفتم الحقيقة خلاص؟”

أبويا حاول يتكلم، بس صوته خرج مخنوق: “ليه يا مراد؟ ليه يا أخويا؟ أنا عملت فيك إيه؟”

مراد ضحك ضحكة مجنونة هزت السماعة: “عملت إيه؟ أنت خدت كل حاجة! الاسم، الشهرة، الفلوس، وحب الناس! سبتلي الفتات وعاملني طول عمرك زي التابع ليك! شريف كان مجرد كلب صيد بعتهولك عشان ينهش فيك وفي بنتك الدلوعة.. وشريف أدى دوره على أكمل وجه، خادكم على هادي لحد ما الأوراق كلها بقت في إيدي!”

أنا صرخت في التليفون: “أوراق إيه يا خاين؟ شريف في السجن خلاص، وأنت هتروح وراه!”

مراد كمل ببرود يرعب النفوس: “السجن؟ شريف كرت واتحرق يا كاميليا يا حبيبتي.. بس الأوراق اللي شريف خلكِ تمضي عليها وأنتِ فاكراها عقود شراء فيلا ولا توكيلات عربيات.. دي كانت التنازلات النهائية عن أراضي الحزام الأخضر والتوكيل العام لمجموعات المنسي! الأوراق دي في إيدي دلوقتي، وتسجيلها في الشهر العقاري بيخلص في اللحظة دي.. وبكره الصبح، البوليس مش هييجي يمتلك شريف.. البوليس هييجي يطردك أنتِ وأبوكِ من القصر اللي قاعدين فيه ده، لأن القصر باسم شركتي من مبارح!”

السكتة سادت الأوضة.. الأرض لفّت بيا. شريف ما كانش بيضربني عشان بيخونني مع نيرمين بس.. كان بيضربني ويهينني ويطردني عشان أخرج من الفيلا منهارة ومكسورة، وما أراجعش الأوراق اللي دبسني في إمضائها وسط مشاكلنا والورق اللي كان بيحطه وسط بريد الشركة!

مراد كمل بلهجة متشفية: “جهزو شنطكم يا آل المنسي.. المطر بتاع النهاردة بالليل مش هينزل على كاميليا لوحدها.. ده هينزل عليكم أنتم الاتنين، وفي الشارع!”

قفل الخط.

أبويا بصلي، وعينيه اتملت بدموع عجز لأول مرة في حياته.. الراجل اللي هز السوق كان واقف قدامي مكسور، والأرض بتتسحب من تحت رجلينا.

لكن في اللحظة دي بالذات.. في قمة الانهيار والضلام.. تليفوني أنا رن.

الرقم كان إشعار بجميل رسالة تشفير من رقم غير معروف، وفتحت الرسالة بآيادي بترعش..

كانت الرسالة فيها ملف فيديو صغير، وتحته جملة واحدة مكتوبة بالبلدي:

*”لو فاكرين إن مراد هو اللي بيحرك اللعبة.. أنتم غلطانين. مراد نفسه مجرد العروسة المولد اللي بتتحرك بخيوط.. انزلوا الجراج تحت القصر دلوقتي، وافتحوا الصندوق الخشب اللي ورا عربية الحراسة.. هتعرفوا مين اللي بيمتلك مصر كلها بجد!”*

بصيت لأبويا، وأبويا بصلي والذهول والصدمة راكبين وشنا.. مسكت إيد أبويا، ونزلنا السلم ببطء، والدقات في قلوبنا كانت أسرع من صوت المطر اللي بدأ يضرب شبابيك القصر من جديد!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى