
طلعت الشمس على شوارع التجمع الخامس، والجو كان ساكت بس مكتوم، من نوع الهدوء اللي بيسبق العاصفة. الساعة كانت تسعة الصبح لما وقفت قدام مراية أوضتي. لبست فستان أسود كلاسيك، حطيت دبابيس الألماس اللي مابلبسهاش غير في اجتماعات مجلس الإدارة الصعبة، وربطت شعري لورا بقسوة. مكنتش رايحة أعيط ولا أعاتب، أنا كنت رايحة أسترد كرامتي اللي اتهانت على إيد أكتر بني آدم عشت عمري كله أبنيه.
في الوقت ده، جوة الفيلا، كانت ماجدة هانم طايرة من الفرحة. الحديقة المفتوحة كانت مجهّزة على أعلى مستوى، بالونات باللون الذهبي والأزرق، وفريق كامل متكامل من شركات تنظيم الحفلات بيتحركوا زي الخلية. الكب كيك المطبوع عليه اسم “أدهم”، الشموع المعطرة، والشاشات العملاقة اللي بتعرض صور الولد. فريدة مراتي ابني كانت لابسة فستان شيفون غالي جداً، وواقفة جنب أمها ماجدة اللي ماسكة كاس العصير وبتوجه العمال بتكبر: “ظبطوا الورد هنا! مش عايزة أي حاجة بلدي تظهر، النادي والأكابر جايين بكرة.. قصدي كمان ساعة!”
سيف كان واقف بعيد، ماسك كوباية القهوة وإيده بيلف بيها التليفون. وشه كان أصفر، عينيه زايغة وبيفرك في إيديه بتوتر. كل ما تليفونه يتهز يفتكره مني، بس الشاشة كانت بيضاء. أنا ماردتش عليه غير بكلمة “تمام” من الساعة اتنين بالليل، والكلمة دي بالذات كانت مرعبة بالنسبة له، لأنه عارف ميرفت الشناوي لما تسكت، يبقى القرار اتأخد.
فريدة قربت منه وبصتله بضيق: “مالك يا سيف؟ واقف شبه القتيل ليه؟ كل حاجة مظبوطة، وأمي عزمت كل ناس الزمالك والتجمع.. أدهم هيتبسط أوي النهاردة!”
سيف بص لها بنظرة مكسورة وقال بصوت واطي: “أمي ماجتش يا فريدة.. وأنا كتبتلها الرسالة زي ما طلبتوا. مش مرتاح، حاسس إننا زوّدناها.”
تدخلت ماجدة بسرعة، بنبرتها المليانة سم: “جرى ايه يا سيف؟ هنرجع لنفس النغمة؟ أمك ست بيئة ومبتعرفش تتكلم في المجتمعات دي، طريقة كلامها وأسلوبها بتاع سوق التخليص الجمركي هيحرجنا قدام الناس. وبعدين دي فيلتك وبيتك، من حقنا نختار مين يدخل ومين مايدخلش! كبر عقلك بقى والبس عشان الضيوف على وصول.”
سيف سكت.. وطأطأ راسه زي العادة، وسابهم ودخل جوة.
الساعة عشرة بالظبط.
العربيات الفارهة بدأت تطبق قدام الفيلا. مرسيدس، بي إم دبليو، وبورش. الضيوف بدأوا ينزلوا: رجال أعمال، سيدات مجتمع، وصحاب فريدة وأمها. الضحكات كانت مالية المكان، وصوت الموسيقى الكلاسيكية شغال في الخلفية. ماجدة كانت واصلة قمة نشوتها، واقفة على الباب بتستقبل الناس وتوزع ابتساماتها وتتكلم بنبرة متعالية عن “ذوقها في ديكور الفيلا” وكيف إنها هي اللي اختارت كل تفصيلة فيها.
وفي قمة الانبساط، لما الكيكة الخمس أدوار اتطلعت للحديقة، وسيف واقف بابتسامة باهتة جنب ابنه أدهم اللي بيضحك.. الصوت هدي فجأة على الباب الخارجي.
مش صوت موسيقى، ولا صوت ضحك.. ده كان صوت كراكيب وتخبيط جامد، وبعديها صوت بوكس شرطة بيهدي قدام السور الحديد.
ماجدة اتخضت وحطت إيدها على صدرها: “ايه ده؟ مين الغوغاء دول؟ سيف، اتصرف شوف مين اللي بيخبط بالطريقة المتخلفة دي!”
سيف مشي ناحية الباب الخارجي ورجليه بتقطّع، وفريدة وماجدة وراه وبعض الضيوف الفضوليين بدأوا يبصوا من الشبابيك والفراندة. أول ما الباب الصاج الكبير اتفتح، المنظر يوقف الدم في العروق.
تلات عربيات شرطة، عربية نجدة، وسيارة مرسيدس سوداء مظللة.
نزل الأول الأستاذ مجدي المحامي، لابس بدلته الرسمية وماسك في إيده شنطة جلد ثقيلة، ووراه رئيس مباحث قسم التجمع الخامس، ومعاه أربع أمناء شرطة، واثنين محضرين من المحكمة ماسكين أوراق ختم النسور باين عليها من بعيد، ومعاهم كمان سيادة النوتار (المأذون/المنفذ العقاري).
سيف اتصمر مكانه: “مجدي بيه؟! خير؟ فيه ايه؟ حضرة الضابط.. فيه حاجة غلط؟”
مجدي ماردش عليه، لفت وفتح باب العربية المرسيدس السوداء.
نزلت رجلي الأولى بهدوء، جزمة سوداء بكعب واطي ورنان. وبعدين نزلت بوقاري، الفستان الأسود، النظارة الشمس، والملف الأزرق تحت دراعي. وقفت قدام السور ورفعت النظارة على شعري. عينيا جت في عين سيف، اللي لونه اتحول لرمادي من الصدمة.
ماجدة جرت على الباب وبصتلي بقرف وزعقت: “ميرفت هانم؟! ايه الشو البلدي ده؟ جايبة شرطة ومحاميين ومقتحمة عيد ميلاد حفيدك؟ عشان قيلنالك بلاش تيجي تقوم تعملي النمرة دي قدام الناس الناظيفة؟”
أنا مابصلتهاش أصلاً. عيني كانت على سيف.
قربت بخطوات ثابتة، والهدوء اللي في وشي كان يرعب أي حد عارفني.
“أهلاً يا سيف.. كل سنة وأدهم طيب.”
سيف صوته كان بيترعش: “أمي.. أنتِ بتعملي ايه؟ الضيوف جوة.. الناس بتتفرج علينا! ارجوكِ امشي دلوقتي ونتكلم بعدين!”
هنا أتكلم الأستاذ مجدي بصوت جهوري سمع كل الناس اللي كانت واقفة في الحديقة:
“إحنا مش جايين نبارك يا سيف بيه. إحنا جايين ننفذ القرار القضائي رقم 402 لسنة 2026، الصادر من محكمة استئناف القاهرة، بالطرد الفوري لشغالي العقار وشاغليه، وتسليم الفيلا رقم 12 بالكامل لمالكتها الوحيدة.. السيدة ميرفت الشناوي!”
الهدوء ساد المكان زي المدافن.
فريدة شهقت وحطت إيدها على بقها: “طرد؟! ملكيتها ايه؟ الفيلا دي ملك سيف!”
ماجدة زعقت بصوت عالي وهي بتبص للضيوف اللي بدأوا يتهامسوا: “أنتوا كذابين! دي فيلا ابني! سيف شارب فلوسه! أنتِ ست مجنونة وحاقدة على ابنك!”
طلعت من الملف الأزرق ورقة واحدة، ورفعتها قدام وش ماجدة وسيف.
“دي الملكية المسجلة في الشهر العقاري يا ماجدة هانم. باسم شركة الشناوي للتخليص الجمركي.. اللي أنا رئيستها ومالكتها بنسبة 99%. ابنك هنا مجرد ‘مستضيف’ بعقد انتفاع، والنهارده العقد ده اتفسخ رسمياً بسبب الخيانة والخرق.”
بصيت للضابط وقلت بثبات: “اتفضل يا فندم، نفذ الحظر والتحفظ.”
الضابط اتقدم، وبص لسيف وللناس جوة وقال بنبرة حاسمة: “يا جماعة، الحفلة انتهت. قدامكم ربع ساعة بالضبط تفضوا المكان. العقار عليه قرار تحفظ وطرد فوري واستلام بالقوة الجبرية.”
الهرج والفرج بدأ!
الضيوف بدأوا يجروا ويلموا حاجتهم والخوف ماليهم، الستات الكلاس اللي ماجدة كانت بتتباهى بيهم بقوا بيزقوا بعض عشان يهربوا من الفيلا قبل ما اسمهم ييجي في المحضر. الورد بيتقطع، الكب كيك بيقع على الأرض، والبالونات بتتفرقع تحكم أقدام الناس وهي بتجري.