روايات وقص

د مسكت في ايديها حاجه لمعت

مسكت في إيدها حاجة لمعت تحت نور كشافات الشارع، مفتاح حديد قديم وصغير، مش بتاع باب الفيلا ولا بتاع بوابتها، لكنه مفتاح الخزنة السرية اللي جدي الله يرحمه كان عاملها ورا اللوحة الزيت الكبيرة في مكتبة الدور الأرضي.

تيتة إلهام بصت للمفتاح وثانيتين وكان خوفها كله اتبخر، حل محله جبل من الصلابة. بصتلي وقالت بصوت واطي لكنه يقطع الحديد: “دانيال.. أبوك وأمك مش بس سرقوا الشقة والفلوس، هما يدوبك خدوا القشور، الورق اللي أدتهولك الموظفة في الشهر العقاري ناقص.. فيه ملحق لعقد الفيلا وشيكات بضمان الأرnative والممتلكات جوة الخزنة دي. لو الراجل ده حمل العفش وطلع بيه، مش هعرف أثبت إن البصمة متزورة في المحكمة قبل ما يبيعوا كل حاجة رسمياً للشركة الاستثمارية.”

نزلت من العربية وراها، رجليا كانت بتترعش من كمية الغدر اللي شفتها في يوم واحد. الراجل اللي شايل الكرسي الأنتيك أول ما شافنا قرب علينا، كان راجل بجثة عريضة ولابس قميص كاهل وواقف بيوجه العمال.

— “خير يا حجة؟ المكان ده مقفول والمزاد بكرة الصبح، ممنوع الدخول دلوقتي بناءً على تعليمات الباشمهندس مصطفى Mendoza.”

تيتة ما رمشتش، قربت منه ووقفت بثبات وهي طولها يدوب بيوصل لكتفه: “أنا صاحب الفيلا دي يا جاد.. والباشمهندس بتاعك ده يبقي ابني اللي زود في عقوده كلمة وتوقيع مش بتوعي. نزل الكرسي ده مكان، بدل ما تبيت الليلة دي في القسم بتهمة السرقة بالتعاقد.”

الراجل ارتبك وبصلي، أنا قدمت خطوة ووقفت جنبها: “سمعت قالتلك إيه؟ نزل الحاجة واطلعوا برة فوراً.”

في اللحظة دي، سمعنا صوت فرملة عربية ثانية بتصرخ في الشارع. عربية مرسيدس سوداء وقفت ورا عربيتي بالضبط. نزل منها أبويا، مصطفى، ووراه أمي، نجلاء. وشهم كان أصفر، وعينيهم بتتطوح بيني وبين تيتة.

أبويا قرب وهو بيمسح العرق من جبهته، بصلي بغضب: “دانيال! أنت إزاي تتدخل في اللي مالكش فيه؟ أنت فاهم أنت بتعمل إيه؟ أنت كده بتهد كل حاجة بنيتها في حياتي!”

تيتة إلهام لفت له ببطء، نظرتها كانت كفيلة تخلي راجل بجسمه يرجع خطوة لورا. “بنيت حياتك من عرق ابنك يا مصطفى؟ ولا من شقايا وشقى أباك الله يرحمه؟”

نجلاء، أمي، تقدمت وهي بتلعب في غوايشها الدهب، صبيانية ومستفزة كعادتها لما تحس بالخطر: ” يا إلهام هانم، ما تصعبيش الأمور! مصطفى كان هي فلس، الشركة كانت هتتحجز عليها وتتفضّحوا في السوق! البيت ده كبير عليكي، أنتِ ست كبرتي، والفلوس دي هي اللي هتعيشك ملكة في أحسن دار مسنين في مصر.. إحنا عملنا كدة عشان نحميكي ونحمي نفسنا!”

— “تحموني؟” تيتة سألتها بنبرة ساخرة تقطع الشرايين، “تحموني بأنكم تسيبوني في المقطم وتكدبوا على الدار وتقولوا رايحين تجيبوا ورق من العربية وتختفوا؟ تحموني لما تزوروا توقيعي وتبيعوا تاريخ عمره 50 سنة لتاجر خردة؟”

أبويا صرخ في العمال: “كملوا شحن! محدش يوقف! البيت ده ملكي بالقانون ومعايا عقد مسجل!”

تيتة بصتلي: “دانيال.. افتحلي الطريق للمكتبة.”

ما فكرتش مرتين. زقيت الراجل اللي كان واقف قدام الباب، ودخلت تيتة من تحت إيدي. أبويا حاول يجري وراها يمسكها من دراعها، لكن أنا وقفت في وشة ودفعت صدره بقوة خلته يترد لخلف: “إياك تلمسها يا بابا.. إياك!”

— “أنت بتمد إيدك على أبوك يا قليل الأدب عشان واحدة خرفت؟!” أمي زعقت وهي بتهجم عليا.

— “الواحدة دي هي اللي عملتكم!” صرخت في وشهم والدموع بتغلي في عيني، “أنتوا مش بس سرقتوها، أنتوا قتلتم روحها وهي عايشة!”

داخل البيت، كان المنظر يوجع القلب. السجاد الملفوف، التابلوهات المخلوعة من الحوائط، ذكريات طفولتي وطفولة أبويا مرمية في أكياس زبالة سوداء في صالة الاستقبال. تيتة مشيت وسط الخراب ده بجمود غريب، دخلت غرف المكتبة، راحت للوحة “شاطئ الإسكندرية” اللي جدي اشتراها في ستينات القرن الماضي. زاحتها بإيد متثبتة، وظهرت الخزنة الحديدية الصديدية المستخبية جوة الحيطة.

حطت المفتاح، ولفته.. “تك”.

الباب الفولاذي اتفتح.

جوة الخزنة، ما كانش فيه بس أوراق.. كان فيه دفتر مذكرات قديم، وصندوق خشب صغير، وشرائط كاسيت ممسوحة، وحزمة أوراق رسمية مربوطة بدوبارة حمراء.

تيتة سحبت الأوراق والدفتر بسرعة وحطتهم في شنطة إيدها، وفي اللحظة دي، دخل أبويا المكتبة وعينه زاغة على الخزنة: “إديني الأوراق دي يا أمي! الأوراق دي فيها الشيكات اللي على الشركة.. لو الأوراق دي وصلت للنيابة أنا هتحبس!”

تيتة بصت له بنظرة أمل أخير كان بيتلاشى في عينيها: “أنت كنت عارف إنك هتحبس يا مصطفى.. عشان كدة كنت مستعجل ترميني في الدار، عشان ما ألحقش أفتح الخزنة دي وأعرف إنك ما بعتش البيت عشان تسدد ديونك.. أنت بعت البيت عشان تهرب برة مصر!”

الكلمة نزل عليا وعلينا كلنا زي الصاعقة.

“تهرب؟” أنا كررت الكلمة وأنا ببص لأبويا.

أبويا اتجمد مكانه، وأمي دخلت وراه ووشها اتقلب أصفر زي الموتى.

تيتة طلعت ورقة من الظرف وقرأتها بصوت جهوري: “تذاكر طيران لباريس يوم الأحد الجاي.. باسم مصطفى محمود ونجلاء السيد.. وحساب بنكي مفتوح في بنك أوف جنيف باسم شركتكم الجديدة.. أنتوا مكنتوش بتنقذوا الشركة يا مصطفى.. أنتوا كنتوا بتصفوا كل حاجة وتبيعوا بيتي وتاخدوا مليارات وتخلعوا وتسيبوني أنا ودانيال هنا نواجه الديانة والشرطة!”

أنا بصيت لأمي وأبويا ومش مصدق.. “أنتوا كنتوا هتسيبوني أنا كمان؟ كنتوا هتسيبوا تيتة في الدار وتبيعوا بيتها وتاخدوا الفلوس وتهربوا وتدبسوني أنا في ديون شركتك؟”

أبويا ما نطقش.. عينيه كانت متثبتة على الشنطة اللي في إيد تيتة. وفجأة، نبرة وشه اتغيرت تماماً. الخوف اتبخر وحل محله شراسة ملهاش مثيل.

قفل باب المكتبة وراه ببطء، ووقف يسد المخرج الوحيد: “ما حدش هيخرج من البيت ده بالأوراق دي.”

— “أنت هتسوي إيه يا مصطفى؟” تيتة سألته بصوت ثابت رغم الخطورة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى